دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٦٨ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
المِلّة القَيِّمَة على الملل ، أو : وذلك هو دِين العدالة القيّم على الناس وعلى قوانينهم الوضعية لكونه من الله عزّ وجلّ ، ويحتمل أن يكون المعنى هو أن القرآن فيه الكتب السماوية القيمة السابقة لأنه يضم جميع محتوياتها وزيادة . ومع عدم الإيمان بالإطلاق الأزماني فإنـنا نرجع إلى الإستصحاب لِنُلْغِيَ هذا الإحتمالَ . إذَنْ خلاصةُ الجوابِ هو أنه يكفي أن نـتمسّك بإطلاق الأحكام السابقة لرفع ادّعاءِ قِصَرِ أمد الأحكام السابقة ، وإن أبـيتَ فإنـنا نـتمسّك بالإستصحاب .
ولعلّه لما ذكرنا قال الشيخ علي آل كاشف الغطاء : "واَمّا استصحاب أحكام الشرائع السابقة فلا رَيبَ فيه ، لتمامية أركان الإستصحاب فيها ، للعلم بثبوت الحكم الشرعي الواقعي في الزمان السابق على نهج القضايا الحقيقية" (إنـتهى) [٨٥٠] .
المهمّ هو أنه إذا انـتقل الإنسان من المغارة إلى قصر جميل وصار عنده كمبـيوتر وسيّارة وزُفّتت الطرقاتُ فهذا لا يقتضي تغيـيرَ حُكْمِ الجعالةِ ـ مثلاً ـ وأنه بعدما كانت الجهالةُ الجزئية فيها جائزةً صارت في شريعتـنا غير صحيحة !! فأيّ ربط بين الكمبـيوتر والجعالة ؟! أو أنه بعدما كانت القرعة هي تـفويض الأمر إلى الله في اختيار الأصلح للإنسان صارت القرعة باطلة شرعاً ولا يُعتمَدُ عليها ؟! فأيّ ربط بين العيشة الجميلة والعيشة في الكهوف بالقرعة ـ مثلاً ـ أو بقضيّة حرمة الربا ؟! لذلك كان الأصلُ عدمَ النسخ أصلاً ، إنما قد تـتغيّر بعضُ الظروف فاقتضَى الأمرُ أن تـتغيّر بعضُ الأحكامِ بحسبها ، ولذلك إذا عرفت أيّ حكم من أحكام الشرائع السابقة لا تراها متغايرةً مع أحكام شريعتـنا إلا نادراً .
*نعم ، هناك عقوبات لبعض الناس اقتضت أن يحرّم اللهُ عليهم بعضَ أمور ، لاحِظْ مثلاً بعضَ المعاصي التي كان يفعلها بنو إسرائيل[٨٥١] ولجاجتَهم وعدمَ تسليمهم لكلمات نبـيِّهم لاحِظْ كيف استحقوا تحميلَ الثـِّقْلِ كما هو معروف في قصة بقرة بني إسرائيل وكما قال سبحانه [فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيـِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ] .. لكن هذه عقوبات مؤقّتة أي طالما كانوا على المعصية ، هذه العقوبات أوهمت بعضَ الناس أنّ الشرائع السابقة قد نُسِخَتْ ، لاحِظْ قولَه[وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍوَمِنَ البَقَرِوَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بـبغْيِهِمْ، وَإِنَّا لَصَادِقُونَ] [٨٥٢]، فإذن هذا ليس حكماً مؤبّداً ، وإنما هذا
[٨٥٠] النّور الساطع في الفقه النافع ج ٢ .
[٨٥١] قال اللهُ تعالى [لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَـقِيرٌوَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، سَنَكْتُبُ مَا قَالُواوَقَتْلَهُمُ الأَنبـياءَ بِغَيْرِ حَقٍّوَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ (١٨١) سورة آل عمران .
[٨٥٢] الأنعام ـ ١٤٦ .