دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٦٧ - ٨ ـ إستصحاب بقاء الشرائع السابقة وعدمُ نسْخِها
بعدم دخالة تغيُّرِ الزمان في موضوع الحكم المرادِ استصحابُه ... ولذلك يكون الإستصحابُ ح موضوعياً في هكذا موارد ، بخلاف موارد موت المرجع ونقاء الحائض ونحوهما التي نحتمل عقلائياً تغيُّرَ الأحكامِ فيها . وبتعبـيرٍ آخر : ليس كلُّ تغيُّرٍ في الموضوع ـ حتى التغيُّر القليل ـ يَمنع من جريان الإستصحاب .
٣ ـ وإن قلتَ : الثابتُ في أحكام الشرائع السابقة هو أنها نَزَلت لأُولئك الأناس الذين كانوا موجودين في تلك المرحلة الزمنيّة السابقة ، ولم يُعلم بنزولها لنا نحن أيضاً ، أي لم يُعلم بشمولها لنا أيضاً ، والأصلُ عدمُ شمولها للأزمان اللاحقة ، فكيف تستصحبها وأنت لا تعلم بأصل ثبوتها لاُمَّتـنا هذه ولزمانـنا هذا ؟! أي كيف تستصحب والركنُ الأوّل للإستصحاب غيرُ معلوم الثبوت ؟! وبتعبـيرٍ ثالث : ألا تحتمل دخالةَ الزمان السابق في الحكم السابق ؟! وبتعبـيرٍ رابع : نحن نحتمل ضيقَ دائرة الجعل وعدمَ سَعتِها بالنسبة إلى مَن سيوجَدُ في زمان التشريع اللاحق فيكون المراد بالنسخ ادّعاءَ قِصَرِ أمَدِ الجعل الأول .
قلتُ : نحن نفرض الآن أنـنا لا ندّعي العلمَ الوجداني بشمول تلك الأحكام لهذه الاُمّة وإلاّ لانـتـفى أصل البحث ، ولكنـنا نشكّ ، فنـتمسّك بظهور إطلاق وشمول تلك الأحكام لكلّ زمان ومكان ، وهو ما يطلق عليه بـ (الإطلاق الأزماني) أي بلحاظ الزمان السابق والزمان اللاحق ، إذ يفهم الناس مِن ذِكْرِ القرعةِ في القرآن الكريم ـ والذي نزل لهداية البشر ـ وأنها قد فَعَلَها الأنبـياءُ iيفهمون من هذه القرائن أنها مشروعة لكلّ زمان ومكان ، ويفهمون من جواز الجَهالة الجزئيّة في مقدار الجعل ـ كما في قصّة يوسف t ـ أنها مطلَقةٌ حتى لزمانـنا ، لأنّ ذِكْر اللهِ تعالى لها يشير إلى تشريع هذا الحكم مطلقاً أي حتى في زمانـنا ، وكأنه يدعونا إلى ذلك ، بمعنى أنه على الأقلّ يوهم عوامَّ الناس بجواز الجهالة في الجعل بمقدار جزئي ، مع عدم التـنبـيه على خطأ ذلك في الروايات ، وكذا لو ورد بعضُ الأحكام الشرعيّة من الشرائع السابقة على ألسِنَة أئمّتـنا المعصومين i، فالمتبادر عند المتشرّعة مشروعيةُ اقتدائـِنا بالأنبـياء السابقين (علیهم السلام) بدليل أنّهم يرَون أنّ دِين الله واحدٌ إلاّ ما ظَهَرَ تغيـيرُه ، وأنّ الأصل هو أنها حقّ كلّها ، بل عين الحقّ ، على ما هي عليه ، لكلّ زمان ومكان ، لأنها صادرة من ساحة الألوهيّة المقدّسة ، وأنّ الأصل هو عدم المقتضي لتغيـير الأحكام الإلهيّة ، فالمتشرّعة يرَون أنّ دين الله منذ أن جعل آدم (ع) نبـيّاً هو دين المؤمنين في كلّ زمان ومكان ، قال الله تعالى [وَمَا أُمِرُوا ـ أي تلك الملل السابقة ـ إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَوَيُقِيمُوا الصَّلاةَوَيُؤْتُوا الزَّكَاةَوَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ ] [٨٤٩]أي دِين
[٨٤٩] البـينَة ـ ٥ .