دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٣١ - ٤ ـ الإستصحاب في الاُمور التدريجيّة
بنفسه قطعةٌ من الزمان أنت تستصحبها ، مع غضّ النظر عن كون هذه القطعة متّصفةً بصفة النهارية ـ لأنّ الشمس تطلع فيه ـ ، لا بل ليس في الزمان ذاتٌ وصفة كما في الإنسان الطويل والقصير والعالِم والجاهل ، فالمفروضُ إذَنْ أن يكون استصحابُ النهار والليل استصحاباً لوجودهما وهو الصحيح ، لأنك إنما تريد أن تأكلَ في وجود الليل ـ في شهر رمضان ـ لا في صفة الليل ، إلاّ أن تقول : "لا بل أنا إنما أريد أن آكلَ في هذه الساعة لأنها متّصفة بصفة الليل لا لأنها قبل الساعة الرابعة مثلاً" ، فأقول : العرفُ يستصحبون بقاءَ قطعة الزمان الفلانية ، وهم يطلقون على هذه القطعة الزمانية صفةَ الليل أو النهار أو الفجر أو الضحى ، ولكنهم يرَون أنفسَهم أنهم يستصحبون بقاء القطعة الزمانية السابقة .
إذن لا يصحّ ادّعاءُ أنّ المستصحَب هو النهار والليل كَصِفَتَين لِقِطْعَتَين من الزمان ، وهذا ما يعبَّر عنه بالإستصحاب النعتي ، وهكذا قال المحقّق ضياء الدين العراقي والسيدحسن بن علي الموسوي البجنورديفقد كانا يرَيان أنّ المستصحَب هو بنحو مفاد ليس التامّة ـ كما نقول ـ أي أنّ المستصحَب هو العدم الوجودي ـ لا العدم النعتي ـ أي أنت تستصحب عدمَ أصلِ وجود الفجر ـ كقطعة من الزمان ـ لا أنك تستصحب عدمَ اتّصاف الزمان الآتي بالفجريّة ، وإنما تَستصحب عدمَ مجيء القطعة الزمنية التالية المعبَّر عنها بالفجر . لاحِظْ قولَ المحقّق العراقي : "إنّ الإستصحاب الجاري في الزمان وغيره من التدريجيات إنما يكون بنحو مفاد ليس التامّة ، وإلاّ فبنحوِ مُفاد كان الناقصة المقتضية لإثبات نهارية الآنِ المخصوص فلا يكاد يجري أبداً ، لعدم إحراز الحالة السابقة لهذا المعنى ، وح فكلُّ أثرٍ يترتب على مثله لا يكاد يَثبت بـبركة الإستصحاب كما هو ظاهر" (إنـتهى) [٨١٥].
أقول : لا شكّ أنّ ما ذكراه هو الصحيح ، حتى ولو كان الزمان أمراً سيّالاً متصرّماً بذاته ، فالناسُ بفطرتها تستصحب هذا الوجودَ السيّال ، ولا معنى لأن نستصحبَ صفة وجود هذه القطعة من الزمان . وبتعبـيرٍ آخر : نحن لا نريد أكثرَ من استصحاب بقاءِ زمانِ الليلِ للحكم بجوازِ الأكلِ ـ في شهر رمضان ـ وعدمَ جوازِ الإتيان بصلاة الصبح فقط لا غير ، ولذلك ترى كلّ العلماء والعقلاء يقولون "ثَبَتَ باستصحاب عدم دخول زمان الفجر أو وقت الفجر (بقاءُ زمانِ الليل) تعبّداً " .
وهنا يَحسُنُ أن نَذْكُرَ ملاحظتين :
· ١ ـ تعريف الزمان فنقول : الزمانُ هو "مقدارُ حركة المتحرِّك" ، والمتحرّكُ هو مادّي دائماً ، والمقدارُ الزماني هو وهْمٌ قياسي عقلي ، أي لا وجود إستقلاليّ له في الخارج ، بمعنى أنّ الله
[٨١٥] مقالات الأصول ج ٢ ص ٣٩٤ ، ومنـتهى الأصول ج ٢ ص ٤٥٤ .