دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٢٩ - ٤ ـ الإستصحاب في الاُمور التدريجيّة
بقاءَها . وأنت تعلم أنّ قولنا (الزمانيّات)هو في مقابل المجرّدات ـ وهي الأرواح ويعبّر عنها أيضاً بالعقول ـ التي لا حركة فيها ، وبالتالي لا زمان لحركاتها من باب السالبة بانـتـفاء الموضوع ، بمعنى أنّه لا حركة لها ، وإنما هي تـنـتقل بالطفرات والنظرات العقلية والتوجّهات[٨١٢]وتـتكلّم بإلقاء المعلومات في العقل كما تلاحِظُ ذلك في المنامات ، فكما أنّ النائم ـ كأهل الكهف ـ لا يشعر بالزمان لأنّ المستيقِظَ في النائمِ والرائي في المنامِ هي روحُه ، فكذلك الميتُ لا يشعر بالزمان مع أنه حيٌّ يُرزَقُ العلمَ والسعادة[٨١٣]، نَعَمْ ، طفراتُهم ونظراتُهم لا تخلو مِن مدّة زمنيةٍ مهما قَصُرَتْ كما تلاحِظُ ذلك في المنامات أيضاً .
*أمّا في استصحاب القطع الزمانية كالفجر ، فلا شكّ في صحّته عند الجميع ـ كما ذهب إلى ذلك أيضاً السيد البجنوردي[٨١٤]ـ وذلك لصدق البقاء عرفاً ، والعبرةُ في الإستصحاب هو صدق نقض اليقين السابق بنظر العرف ـ لا بالدقّة العقليّة ـ ، وصدقُ بقاءِ الحالة السابقة هو أيضاً بنظر العرف ـ لا بالدقّة العقليّة ـ ، وكلاهما متوفّران في مورد استصحاب بقاء الزمان الفلاني المحدود ، ولذلك يستصحبون بقاءَ الليل وعدمَ دخول الفجر فيأكلون في شهر رمضان ، ويستصحبون بقاءَ النهار فلا يأكلون في رمضان ، ويستصحبون عدمَ الزوال ، وعدمَ دخول شهر رمضان ، وعدم انـتهائه ، وكذا لو نَذَرَ شخصٌ أن يسبّح اللهَ تعالى من الساعة الواحدة إلى الساعة الثانية ، وشَكّ في مجيء الساعة الثانية ، فإنه يجب عليه ـ بالإجماع ـ البناءُ على عدم انـتهائها ، أو نذر أن يسبّح اللهَ ساعةً كاملة ، وشكّ في انـتهائها ... وهكذا ، وهذه كلّها استصحابات موضوعية خارجية ، وهذا أشبهُ شيءٍ باشتراط شيء في فعليّة الحكم ، كما لو قال لك المولى "إن صار زيد عالماً فأكرمه" وشككنا في صيرورته عالماً ، فإنـنا نستصحب عدمَ صيرورته عالماً ، وكما فيما لو قال المولى "إن تطهّرتَ فمُسّ الكتابَ الكريم" وشككتَ في حصول الطهارة ، فإنك تستصحب عدمَ حصولِها ...
[٨١٢] كما قال تعالى [فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَئـِنّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ (٥٢) أَئِذَا مِتـناوَكُنَّا تُرَاباًوَعِظَاماً أَئـنا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ : هَلْ أَنـتُم مُّطَّلِعُونَ (٥٤)فاطّلع فرآه في سَواءِ الجحيم (٥٥) قَالَ : تَاللهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبي لَكُنتُ مِنَ المُحْضَرِينَ (٥٧)] (سورة الصافّات) ، فانـتقالُه من الجنة إلى النار ليس بالإنـتقال المكاني وإنما هو بمجرّد النظر إلى الجهة المقصودة ، فإنه يراه بشكل طبـيعي ويكلّمُه ، وذلك لأنّ الروح لها سَعةٌ وجودية واسعة ، إضافةً إلى أنّ الروح تكون فوق المكان والزمان .
[٨١٣] حتى ولو كان الميّتُ نبـياً كنبي الله عُزَير .
[٨١٤] في كتابه (منـتهى الاُصول) ج ٢ ص ٤٥٣ .