دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨٣٠ - ٤ ـ الإستصحاب في الاُمور التدريجيّة
والسببُ في استصحاب الزمان هو أنّ الناس يرَون أنّ الزمان هو أمْرٌ متّصل ، وكأنه قارّ ، ولا يلتـفتون إلى أنه سيّال متحرّك تدريجي ، وأنه يتصرَّمُ كلّ ثانية ، بل كلّ لحظة ، فماذا تستصحب ولا وجود للركن الأوّل وهو اليقين بـبقائه سابقاً ؟! فإن قيل : نستصحب هذا الكمّ من النهار ، قلتُ : ماذا تعني بـ (هذا النهار) ؟ هل تستصحب النهارَ السابق ، وهو يتصرّم شيئاً فشيئاً ؟!! أي لا شكّ في بقائه ، لتصرُّمِ أجزائه .
ورغم هذا الإشكال تَرى كلّ الناسِ يقولون بأنّ الليل والنهار هما عبارةٌ عن مجموعة الأجزاء الزمانية المعروفة ، فهما كُلٌّ واحدٌ ، والثواني هي أجزاؤهما ، فلِلّيلِ والنهارِ وَحدةٌ شخصيّة عرفاً ، فتلاحظ أنّ العرفَ يَرَون أنّ النهارَ يـبدأ بطلوع الفجر وينـتهي بغروب الشمس ، فيستصحبون بقاءَ هذا الكلّ الواحد المتّصف بالنهار . وبتعبير آخر : في مثال القطعة الفلانية من الزمان ـ كالليل ـ فإنها ـ عند المشهور ـ قطعةٌ واحدة عرفاً ، فيمكن ـ عندهم ـ استصحابُ بقائها عرفاً ، لعدم تخلُّلِ العدمِ بين أجزائها . ولكنـنا قلنا سابقاً بأنّ الأَولى استصحابُ عدم وصول الشمس تحت الأفق بمقدارٍ يطلع فيه الفجرُ عندنا ، فيكون استصحاباً موضوعياً واضحاً لا شكّ ولا خلاف فيه عند الجميع .
*وبعد ذِكْرِ ما يقوله المشهورُ أقولُ بأنّ فيما ذكروه نظراً ، وهو أنّ ما قالوه من استصحاب الزمان هو أشبهُ شيءٍ باستصحاب خطوات الماشي وتكلُّمِ المتكلِّمِ ، التي لا يجري فيها الإستصحابُ بلا شكّ ، بل لا معنى لاستصحاب ما لا وجود له ، وهو الزمان ، لأنه وهْمٌ عقلي ، لا غير ، وذلك لأنّ الزمان هو مقدار حركة المتحرّك ، فهو غير موجود في الخارج ، وهو متصرّم في كلّ لحظة ، فأين الركنُ الأوّل للإستصحاب ؟! بل الصحيحُ أنْ نستصحبَ عدمَ وصول الشمس إلى تحت الأفق بمقدارٍ يطلع فيه الفجرُ ، أي أنـنا يجب أن نستصحب عدمَ وصولِها إلى الحدّ المعيّن الذي يطلُعُ الفجرُ فيه عندنا ، فيكون استصحاباً موضوعياً واضحاً ، وح يكونُ من الخطأ القول بأنـنا نستصحب بقاءَ الليل ، نعم ، النـتيجةُ هي أنـنا نستصحب بقاءَ الليل .
* أمّا هل أنك في استصحاب الليل والنهار تستصحبُ نفسَ وجودِهما ـ أي تستصحب الزمانَ ـ أم تستصحبُ صفةَ النهارية وصفةَ الليلية ـ أي تستصحب الصفةَ ـ فهذا أمْرٌ لا يُفيدنا ، لا دنيا ولا آخرة ، ولا على مستوى العِلم ولا على مستوى العمل ، فقد تقول بالثاني ـ أي أنك تستصحبُ صفةَ النهارية وصفةَ الليلية ـ أي أنّ الإستصحاب للّيل والنهار هو استصحاب نَعتي ، كما تستصحب عدالةَ زيدٍ ، وقد تقول بالأوّل وهو أنه استصحابٌ لوجودهما ، فهما أمران بسيطان لأنهما مِقداران فقط لا غير ، فالنهار هو