دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨١٩ - ٣ ـ الإستصحاب في الموضوعات المُرَكَّبَة
ومن هنا نقول بعدم جريان استصحاب عدم العرض المتيقن قبل وجود الموضوع ـ ويسمى باستصحاب العدم الأزلي ـ فإذا شُكَّ في قرشيّة امرأة معيّنة لم يجرِ استصحابُ عدم قرشيتها ، لأنّ استصحاب عدم قرشيّتها من قَبْل انعقاد نطفتها هو استصحابٌ لعدمِ وجودها ـ وليس استصحاباً للعدم النعتي ـ وهو لا يفيدنا البناء على كون دمها استحاضة أي لا أثر شرعيّ لهذا الإستصحاب ، لأنّ الأثر يترتّب على عدمها النعتي ، لا على عدم وجودها ، وإن أريد اثباتُ العدم النعتي بذريعة أنّ استمرار عدم وجود المرأة ملازم للعدم النعتي فهذا أصلٌ مثبت ، لأنهم يريدون من استصحاب عدم وجودها إثباتَ أنها خلقت عامّيّة وليس قرشيّة! وهذا أمر مضحك فعلاً .
نعم ، رغم ذلك نقول بأنّ الأصلَ هو عدم كون المرأة قرشيّة ـ تعبّداً وظاهراً واجتماعيّاً وعقلائيّاً ـ ، لكن لا من باب استصحاب العدم النعتي ، ولا من باب استصحاب عدم وجودها ، وإنما من باب أنّ القرشيّات هنّ قبـيلةٌ من الناس وادّعاءُ الإنـتساب إلى هذه القبـيلة يحتاج إلى دليل أو من باب تسالم العقلاء على عدم قبول ادعاءِ انـتساب إنسان إلى قبـيلةٍ حتى يُثبِتَ أنه منها ، لذلك قال العلماء بأجمعهم بأنّ ثبوت عنوان القُرَشيّة بحاجة إلى دليل . فكان استصحابهم هو استصحابٌ عامّيٌّ عقلائي اجتماعي ـ لا من باب الإستصحاب المعروف الذي كنّا نـتكلّم فيه ـ وهذا الإستصحاب هو ثابت في الشرع وممضَى منه بلا إشكال ولا خلاف .
ولنفس السبب قالوا بأصالة عدم كون الدم حيضاً أو نفاساً ، وكأنّ الأصل في الدم عدمُ كونه حيضاً أو نفاساً ، وهذا أيضاً بناءُ العقلاء والمسلمين في العالم ، مع أنه لا يخلو الأمر إمّا أن يكون هذا الدمُ حيضاً أو نفاساً أو استحاضة ، وهكذا أيضاً قالوا في الدم المردّد بين كونه من حيوان ذي نفس سائلة أو من حيوان غير ذي نفس سائلة ، فقالوا بأصالة الطهارة ، مع أنك تعلم أنّ الدم مردّد ـ بنحو العلم الإجمالي ـ بين كونه من هذا النوع أو من ذاك ، لكن الشارع المقدّس أمرنا بالبناء على الطهارة ، ولعلّه لأصالة عدم كونه من حيوان ذي نفس سائلة ، أي لعلّه من باب أصالة عدم الإنـتساب إلى ماهيّة معيّنة ، وكذا لو شككنا في مدفوعٍ معيّن في كونه من حيوان مأكول اللحم أو من حيوان غير مأكول اللحم ، فإنّ الشارع المقدّس أمرنا أن نبني على الطهارة ، ولعلّه لأصالة عدم كونه من حيوان غير مأكول اللحم ، أي لأصالة عدم الإنـتساب إلى ماهيّة معيّنة .
كلّ هذا مرجعُه إلى أصل عقلائيّ ـ لا إلى أصالة الإستصحاب المعروفة ـ يفيد أنّ الأصل هو عدم كونه من الصنف الفلاني الذي يكون دمه أو مدفوعه نجساً .