دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٨١٨ - ٣ ـ الإستصحاب في الموضوعات المُرَكَّبَة
العرَض إذا أخذ مع موضوعه لُوحِظ بما هو نعت له ، وهو ما يسمَّى بالعدم النعتي[٨٠٦]، فإذا لم تكن أركان الإستصحاب في حالة العدمِ النعتي موجودة لم يجرِ استصحاب العدم النعتي ـ كما في المرأة الغير قرشيّة ، فليست المرأة قد كانت عاميّة سابقاً ثم شككنا في صيرورتها قرشيّة ـ ، وذلك لأنك إن أردتَ إجراء الإستصحاب في (عدم القرشية) من قَبْل وجودها فالنـتيجةُ هي عدم وجود المرأة من الأصل[٨٠٧] ـ لا كون المرأة عامية ـ وإن أردتَ إجراءَ الإستصحاب في أصل عدم وجود المرأة فهذا لا ينفعنا لأنّ عدم وجودها لا أثر شرعي له لأنّ نـتيجتَه ستكون عدمَ وجود المرأة ـ لا عدم كونها قرشية ـ .
[٨٠٦] أي عدم النعت ، كنعت المرأة بعدم كونها قرشية .
ما هو الفرق بين النعت والصفة ؟ كتب أبو هلال العسكري في كتابه (معجم الفروق اللغوية) تحت رقم ٢١٩٣ ما يلي : "إنّ النعت ــ فيما حكى أبو العلاء رحمه الله ــ لِمَا يتغيَّر من الصفات ، والصفةُ لِمَا يتغيَّر ولما لا يتغيَّر ، فالصفةُ أعمُّ من النعت . قال : فعلى هذا يصح أن يُنعت اللهُ تعالى بأوصافه لفعله لأنه يفعل ولا يفعل ، ولا ينعت بأوصافه لذاته ، إذ لا يجوز أن يتغير . ولم يستدل على صحة ما قاله من ذلك بشيء . والذي عندي أنّ النعت هو ما يظهر من الصفات ويشتهر ، ولهذا قالوا هذا نعت الخليفة كمثل قولهم الأمين والمأمون والرشيد . وقالوا أوّلُ مَن ذُكِرَ نعتُه على المنبر (الأمين) ولم يقولوا صفته وإن كان قولهم الأمين صفة له عندهم لأنّ النعت يفيد من المعاني التي ذكرناها ما لا تفيده الصفة . ثم قد تـتداخل الصفة والنعت فيقع كل واحد منهما موضع الآخر لتقارب معناهما ، ويجوز أن يقال الصفة لغة والنعت لغة أخرى ولا فرق بـينهما في المعنى ، والدليلُ على ذلك أنّ أهل البصرة من النحاة يقولون الصفة ، وأهلُ الكوفة يقولون النعت ، ولا يفرقون بـينهما ، فأمّا قولهم نعت الخليفة فقد غلب على ذلك كما يغلب بعض الصفات على بعض الموصوفين بغير معنى يخصه فيجري مجرى اللقب في الرفعة ثم كثرا حتى استعمل كل واحد منهما في موضع الآخر" (إنـتهى) . فيظهر أنّ النعت قريب من اللقب ، نقول : نعت فلانٌ زيداً بالضبع أو بالأسد ، لكن إذا قلنا وصفه بالضبع أو بالأسد فكأنه في مقام الوصف ، لا في مقام النعت ، فقد يجافي النعتُ الحقيقةَ .
وقال محمد تقي النّقوي القايني الخراساني في كتابه مفتاح السّعادة في شرح نهج البلاغة المجلّد الأول ص ٢٩ : "الحق أنّ النعت والصّفة متغايران بالإعتبار ، متحدان بالذّات والمصداق ، فإن كان الذّات موجوداً فالنعت ثابت له ويُحمل عليه ، وكذا الصّفة نحو "زيد عالم" حيث إنّ العلم يكون مصداقاً للنعت والصفة ، وإنْ لم يكن الذات موجوداً تحمل عليه الصفة ولا يقال لها نعت ، فالصفة قد تكون أمراً معدوماً في الخارج موجوداً في الذهن ، والنعت لا يكون إلاّ أمراً ثبوتياً عينيّاً" (إنـتهى) .
[٨٠٧] هنا لا بدّ لي مِن ذِكْرِ عدّة نـِقاط : الأولى : إنّي استعملت كلمة (عدم الوجود) بدلَ الكلمة المتداولة وهي (العدم المحمولي) ، وعذري في ذلك أوضحية كلمتـنا من كلمتهم . النقطة الثانية : إنه كان بناؤنا عدمَ التعرّض للكلمات التافهة ، لكن لمّا وجدتُ بعض الناسقد تعرّضوا لهذا البحث بهذا الشكل كان غضُّ النظر عنه عَيـباً واضحاً ، فاضطررت أن أذكره باختصار . والنقطة الثالثة : كان بناؤنا أيضاً من أوّل الكتاب أن أكتب باسلوب واضح جداً ، على أنه من المعيب استعمالُ الاسلوبِ المعقّد في الكتب الدراسية .