دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٧٤٥ - البحث الثالث حجيّة الإستصحاب على أساس الأخبار
وأمّا الدليل الروائي وهو العمدة ، فعلينا أن ننظر بدقّة إلى ما قاله الإمام الباقر (ع) لزرارةَ في الرواية السالفة الذكر : .. يا زرارةُ ، قد تـنام العَينُ ولا ينام القلبُ والاُذُن ، فإذا نامت العَين والاُذُنُ والقلب وجب الوضوء ، قلت : فإنْ حُرِّكَ على جنبه شيءٌ ولم يَعلم به ؟ قال : لا ، حتى يستيقن أنه قد نام ، حتى يجيئ من ذلك أمرٌ بيِّن ، وإلا فإنه على يقين من وضوئه ولا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشك وإنما تـنقضه بـيقين آخر [٧٤٦] .
بـيانُها أنه (ع) يقول "لا ـ أي لا يجب عليه إعادةُ وضوئه ـ حتى يستيقن أنه قد نام ، حتى يجيئ من ذلك أمرٌ بَـيِّنٌ ، وإلا ـ فإنْ لم يستيقن أنه قد نام ، أي لم يعلم بطروء رافعٍ للحالة السابقة ـ فإنه ـ الآن هو ـ على يقين من وضوئه ـ قبل ساعة ، ولذلك لا يجب عليه الوضوء لأنه متيقّنٌ شرعاً أي تعبّداً ـ ولا تـنقضِ اليقينَ ـ السابق بالوضوء ـ أبداً بالشك ـ ولك أن تقول ولا تـنقضِ اليقين الفعلي بالطهارة بالشكّ ، وذلك لأنّ الإمام (ع) عبّرَ بتعبـير النقض وهو يقتضي أنه حذف الفاصل الزماني بين اليقين والشكّ ـ وإنما تـنقضه بـيقين آخر" .
وهنا تلاحظ وجودَ ثلاثةِ احتمالات في المستصحَب الحقيقي :
١ ـ أن يكون عدمَ طروءِ عارض على الموضوع وذلك بدليل قوله (ع) لا ، حتى يستيقنَ أنه قد نام ، حتى يجيئ من ذلك أمرٌ بَـيِّنٌ ، وإلا فإنه على يقين من وضوئه فالنظر هو إلى احتمال طروء النوم ، أي أنّ الإمام يقول "لا ، لا يجب عليه إعادةُ وضوئه حتى يستيقن أنه قد نام ، حتى يجيئ من ذلك أمرٌ بَـيِّنٌ ، فإن لم يستيقن من النوم ولم يَجِئ من ذلك أمرٌ بَيَّنٌ فإنّ عليه أن يبني على عدم طروء طارئٍ أو عروض عارض ، والدليل الثاني هو استدلال الإمام (ع) بالتعليل العقلائي في قوله وإلا فإنه على يقين من وضوئه فإنّ العقلاء يستصحبون ـ بفطرتهم التي استدلّ بها الإمامُ ـ عدمَ طروء طارئ غيَّر الحالةَ السابقة ، أو قُلْ : إنّ العقلاء يرون أصالة العدم الأزلي التي تفيد عدم طروء عارضٍ غيّر الحالةَ السابقة .
٢ ـ أن يكون المستصحَبُ هو اليقين بالحالة السابقة ، أي اعتبِرْ نفسَك متيقِّناً بالوضوء ، وذلك بدليل قوله (ع) ... وإلا فإنه على يقين من وضوئه ، ولا تـنقضِ اليقينَ أبداً بالشك وإنما تـنقضه بـيقين آخر فإنه صريحٌ في هذا الإحتمال الثاني .
٣ ـ أن يكون المستصحَبُ هو نفس الحالة السابقة ـ وليس اليقين بها ـ وذلك بتقريب أنّ المراد من اليقين الوارد في الرواية هو اليقين الطريقي الآلي المرآتي ، ويقوم مقامَه الحجّةُ والدليلُ الشرعي ، وليس اليقينَ
[٧٤٦] ئل ١ ب ١ من أبواب نواقض الوضوء ح ١ ص ١٧٤ .