دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٧ - تصنيف الأحكام الشرعية
وبتعبـير آخر : إنه ليست الأحكام الشرعية الموضوعية هي كالطهارة والنجاسة والبلوغ ، فالطهارة والنجاسة ليستا أحكاماً أصلاً ، وإنما هي أسماء فقط ، وليست أحكاماً أو قضايا ، والحكمُ الشرعي يجب أن يكون بنحو القضيّة . نعم ، لا شكّ أنّ الله تعالى تدخّل في بعض المصطلَحات التي هي دخيلة في الأحكام الشرعيّة ، موضوعاً أو محمولاً ، فاعتبَرَ مَن بَلَغَ الثلاثَ عشرة سنةً أو احتلم قبل ذلك أنه (بالغ) ، ووضع ألفاظ (ركوع) و (سجود) و (تشهّد) و (الصلاة) و (الغِيـبة) لمعانيها المعروفة ، ووضَعَ كلمةَ (الوجوب) و (الحرمة) وو لِيُعَبّر عن الأحكام التي يريدها ، وقد تكون بعض الألفاظ الشرعيّة أساسُها وضْعُ العقلاء ، لكنّ المولى جلّ وعلا شذّبها ، وجعل لها شروطاً ، مثلَ ألفاظ (الطلاق) و (الخلع) و (الرجعة) و (العِدّة) و (الدخول) .. هكذا تعبـيرات كثيرة لا مانع مِنْ أن يضعَها المولى جلّ وعلا أو يشذّب بعض معانيها تمهيداً لجعْلِ الأحكامِ الشرعيّة ، أي ليقول مثلاً (من بلغ فقد وجبت عليه الصلاة ، وحرمت عليه الغِيـبة) ، فاستعمل ألفاظاً شرعيّة ، قد يكون أصْلُ وجودِها وضْعَ الناس ، لكنّ الشارعَ المقدّس شَذّبَ معانيَها قليلاً ـ كما في القنوت والركوع والسجود ـ أو كثيراً ـ كما في الصلاة والصيام والحجّ والخمس والزكاة ـ .
ما اُريد أن أقوله هو أنّ هذه الألفاظ ليست أحكاماً شرعيّة ، وإنما هي موضوعات أو محمولات للأحكام الشرعية .
إذَنْ مصطلحاتُ الوجوب والإستحباب والحرمة والكراهة والإباحة ليست أحكاماً تكليفيّة ، وأمّا الأحكام التكليفية فهي ـ كالأحكام الموضوعية ـ قضايا كاملة المعاني مثل : (إذا زالت الشمسُ فالصلاة واجبة) و (إذا سافر الإنسانُ فالتـقصير واجب ) و (يحرم شرب الخمر) ...
(٣) واعلم أنّ الأحكام الموضوعية هي أحكام شرعيّة مجعولة بنحو الإستـقلال ، كالأحكام التكليفية تماماً ، فكما يمكن جعْلُ المولى تعالى الصلاةَ واجبة ، يمكن له أن يجعل أحكاماً موضوعِيّة مثل ( مَن حاز مَلَكَ) و (البـينَة حجّة) و (سوق المسلمين أمارةٌ شرعيّة على التذكية والطهارة) .. وإنما جعَلَ اللهُ تعالى هذه الأحكامَ الموضوعية لتـنظيم حياة الإنسان ، ولأنّ لها جذوراً عقلائيّة دائماً أو غالباً ، كما في جعْلِ الزوجيّةِ والملكيّة والحريّة والرِّقيّة . ومن البديهي بطلانُ القولِ بعدم كون الأحكام الموضوعية شرعيّة .
نعم ، ليست الأحكامُ المنـتزَعة من المركّبات هي أحكام شرعية أصلاً ، كالجزئيّة والسبـبـية والشرطيّة والمانعيّة والرافعيّة والعِلّيّة ، وذلك لأنّ الباري يتصوّر المركّبات أوّلاً بكلّ شروطها