دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٦٥٠ - الروايات التي يُفهم منها البراءة
الأولى : لا شكّ أنك تعلم أنّ الحكم الشرعي هو فقط الجعلُ الشرعي ، وأمّا الأحكام الفعلية والتـنجيزية فهي أحكام عقلية لا شرعية .
والثانية : إنّ معنى رَفْعِ التـنجيزِ الناتجِ عن الإمتـنان هو عدم وجوب الإحتياط ، وإلاّ فلا معنى ح للرفع .
*البحث الثاني : في جريان البراءة المستـفادة من حديث الرفع في الشبهات الحكمية والموضوعية جميعاً
لا شكّ أنك تعلم أنّ الشبهة الحكمية هي من قبـيل الشكّ في وجوب جلسة الإستراحة وحرمة العصير العنبي ، ولا شكّ في جريان البراءة فيها بالتسالم وبلا خلاف .
وكذلك الشبهة الموضوعية الخارجية الجزئيّة تجري فيها البراءةُ ، لكنّ الذي يجريها بالعنوان الأوّلي إنما هو العالِمُ الديني ، وليس بالضرورة أن يكون مجتهداً ، وذلك لكون هذه الأمور هي من البديهيات الدينية ، ولعلّ هذا الأمر مجمع عليه ، وذلك كما لو شكّ المكلّفُ في كون الأنشودة الخارجية الفلانية هي غناء أم لا ، فإنّ على العامّيّ أن يرجع إلى العالم الديني ويسألَه عن تعريف الغناء ، وليس له أن يُجري هو قاعدةَ البراءة في المورد المشكوك من دون مراجعة العالم العارف بالأحكام الشرعية ، فإنّه من الخطر ـ ابتداءً ـ أن نقول للعامّي أنت شخّصِ الأنشودةَ الفلانية ، فلعلهم يقعون في مخالفة الواقع كما نرى ذلك بأعينـِنا ، فإن اتّضح عند العالم أنها غناءٌ حكم بالحرمة ، وإن اتضح أنها ليست غناءً حكم بالحليّة ، وإن شكّ نفسُ العالم الديني فإنه سيحكم ببراءة الذمّة ويقول للعامّي هي حلال ، وذلك اعتماداً على قاعدة البراءة الشرعية في هذه الشبهة المصداقية بالإجماع ، فرسول الله (ص) يقول "رُفِع عن أُمّتي ما لا يعلمون" وأنا العالم الديني لا أعلم بكونه غناءً ، إذن نحن غيرُ مكلّفين ظاهراً ، أي أنّ الحكم التـنجيزي مرفوع عنّا ، ولا ينبغي أن يكون في هذا خلافٌ بين العلماء ، وكذلك يمكن للعالم الديني أن يفْهِمَ العامّيَ حدودَ ماهيةِ الغناء ثم يقول له أن ينظر هو بنفسه في هذا الغناء الفلاني فإنْ رآه غناءً بنظر العرف يكون حراماً وإلا ـ أي إنْ شَكَّ العامّيُّ ـ فهو حلال ، يعني يمكن للعالم الديني أن يوكِّلَ العامّيَّ في تشخيص الموضوع الخارجي ، وكما لو شكّ العامّيُ في كون اليانصيب الفلاني قماراً ـ كي نقول بحرمته ـ أم هو ليس قماراً ، ففي هكذا حالة يجب عليه أن يرجع إلى المجتهد فيسألَه عن تعريف القمار وماهيته ، فيجيـبه المجتهدُ ، فإنِ اتضح لدى العامّي الموضوعُ أجرى الحكمَ عليه ، وإن لم يتّضحِ الموضوعُ فإنه يسأل المجتهدَ ثانية ، فإن اتّضح الموضوعُ عند المجتهد فإنه يحكم طبقاً للموضوع ، وإن لم