دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٣٤ - مسألة الضدّ ونـظـريّـةُ الـتـرتّب
شعري كيف لا يطارده الأمرُ بالمهم (بالأهمّ ـ ظ) ، وهل يكون طرده له إلا من جهة فعليته ؟! والمفروض فعليته ومضادة متعلقه له ، فيلزم اجتماعهما على هذا التـقدير مع ما هما عليه من المطاردة من جهة المضادة بين المتعلقين . مع أنه يكفي الطرد من طرف الأمر بالأهم ، فإنه على هذا الحال يكون طارداً لطلب المهم ، كما كان في غير هذا الحال" (إنـتـهى بتوضيح وتلخيصٍ) [٢٨١] . ونـتيجةُ قوله هو أنّ فعليّة وجوب الأهمّ الباقية ـ رغم إرادة معصيتـه ـ تطارِدُ فِعليّةَ وجوبِ المهمّ .
فقد عرفتَ ـ في الردّ على صاحب الكفاية ـ أنه لا يُعقل أن تطارِدَ فعليّةُ وجوب الأهمّ فعليّةَ وجوب المهمّ بعد عدم إرادة امتـثال الأمر بالأهمّ وبعد سقوطِ التـنجيز من الأمر بالأهمّ وبَعد حُكْمِ العقلِ برجوعِ التـنجيز إلى المهم ، وذلك لأنّ الفعليّة هي حكم ناتجٌ عن تحقّق الشروط الوجوبـية للحكم ، ولا مشكلة إذا تحقّقت العلّة التامّة لمحبوبـية الصلاة ، وكذا لا مشكلة إذا تحقّقت المحبوبـية التامّة لإنقاذ كلّ الغَرْقَى المؤمنِين ، مع أنـنا لا نستطيع على إنقاذ أكثر من واحد منهم فقط . ولذلك نقول : في حال التصميم على عصيان الأمر بالأهم لا يمكن أن يقول لك الباري تعالى "لا أمْرَ بالصلاة أيضاً بسبب أنك تركت الأهمّ" وإلاّ تكونُ قد تركتَ فِعْلَين واجبين فعلاً ، وهذا كما لو كان زيد المؤمنُ جداً يغرق وعمروٌ الأقلّ أهميّة عند الله من زيد يَغرق أيضاً ، فإذا صمّمتَ أن لا تـنقذ زيداً الأهمّ لِثارٍ بـينَك وبـينَه ـ مثلاً ـ فلا يمكن للباري الحكيم أن يقول لك إذن لا أمْرَ بإنقاذ عَمْرو المؤمن !!
* ثم إنه يكفي إثباتُ إمكانِ الترتّب للقول بوجود أمْـرٍ بالمهمّ ، فلو أثبتـنا إمكانَ الترتّب الطولي بين الأهمّ والمهمّ ـ بمعنى أنـنا لو أثبتـنا مجرّدَ إمكان أن يقول الباري تعالى "إنْ لم تُرِدِ امتـثالَ الأهمّ فأتِ بالمهمّ" ـ فهو كافٍ في القول بأنه هو الحقّ في الخارج ، وأنّ المهمَّ منجّزٌ علينا ، وذلك لأنه حكم عقليّ محض ، ولا مانع منه عقلياً أو شرعياً ، فهو لا ينـتـظر شيئاً آخر ـ غير حُكْمِ العقلِ وغير التمسّك بإطلاقات الأدلّة ـ ليَحْكُمَ العقلُ بصيرورة وجوب الصلاة منجّزاً .
* وممّا ذُكِرَ تعرفُ أنّ مسألة الترتّب مغايرةٌ لمسألة اجتماع الأمر والنهي تماماً ، فمسألة الإجتماع ناظرة إلى إمكان اجتماع الأمر والنهي على متعلّقٍ واحد بعرْض واحد ، كالصلاة في المغصوب ، وأمّا في مسألة الترتّب فالأوامر طوليّة ، لا عرْضيّة .
[٢٨١] منـتهى الدراية ج ٢ ص ٤٧٢ ، ومحاضرات في أصول الفقه للسيد الخوئي ج ٣ ص ١٣٩ .