دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٣٣٣ - مسألة الضدّ ونـظـريّـةُ الـتـرتّب
فإذا ارتفع تـنجيزُ الإنقاذ ولم يَعُدْ مانعاً عقلاً ، فحينـئذٍ يحكم العقلُ برجوع التـنجيزِ إلى وجوب الصلاة ، بلا مانع . أمّا سقوط الوجوب الفِعْلي للصلاة ـ بعد تحقّقه بوجود العقل والبلوغ والزوال ، أي بعد تحقّق العلّة التامّة للوجوب الفعلي للصلاة ـ فلا وجه عقليّ له . أمّا وجوبُ الإنقاذ فلا شكّ في بقاء فِعْلِيّته ، لأنّ الفعليّةَ أمْرٌ عقلي تكويني محض ، وذلك لبقاء عِلّة فعليّته ، ولا داعي عقليَّ لِرَفْعِ فعليّتِـه ، بل لا وجه لذلك . فيصير وجوبُ الإنـقاذ فِعليّاً لا منجّزاً ـ بسبب البناء الأكيد على المعصية ـ ويصير وجوبُ الصلاة فِعْليّاً ومنجَّزاً عقلاً ، لعدم وجود مانع من رجوع تـنجيزه ، بل لوجود مقتضي لرجوع التـنجيز للصلاة ، أي بعكس ما لو أراد الإنـقاذَ ، فإنّ وجوب الإنـقاذ يكون ح فعلياً ومنجّزاً ، ووجوب الصلاة يكون فعليّاً عقلاً ، لكنْ غيرَ منجّز . وبتعبـير آخر : حين يصمِّم المكلّفُ على معصية الأمْرِ بالإنـقاذ يقول له العقلاء : إذن إنـتـقل إلى المرحلة الثانية ـ وهذا معنى سقوط تـنجيز الأمْرِ بالإنـقاذ عقلاً ـ وهي وجوب امتـثال الأمر بالصلاة ـ وهو معنى حكم العقل برجوع التـنجيز إلى وجوب الصلاة ـ ، ولعلّك تعلم أنه لا مزاحمة بين الوجوبين الفعليـين للإنـقاذ وللصلاة ، وإنما المزاحمة بين حكمين منجّزين ، كما لا تعارض ـ أي في عالم الجعل ـ بين وجوب الإنقاذ ووجوب الصلاة . وأمّا اجتماعُ حكمَين فعليـين متخالفَين في وقت واحد ـ كالإنـقاذ والصلاة ـ فأمْرٌ لا مشكلة فيه لا على مستوى الجعل ولا على مستوى الإمتـثال .
فإذا عرفت هذا تعرفُ بطلانَ ما قاله صاحبُ الكفاية ، فقد قال :
· "ما هو مَلاكُ استحالة طلب الضدّين في عرْض واحد آتٍ في طلبهما بنحو الترتّب أيضاً ، فإنه وإن لم يكن في مرتبة طلبِ الأهمّ اجتماعُ طلبِهما إلاّ أنه كان في مرتبة الأمر بالمهمّ اجتماعهما ، بداهة فعليّة الأمر بالأهمّ في هذه المرتبة وعدم سقوطها بمجرّد البناء على المعصية ، وذلك لتحقّق شرط فعليّته فرضاً . لا يقال : نعم ، ولكنِ اجتماعُ الفعليّتين المتـزاحمتَين كان بسوء اختيار المكلف ، فلولاه لما كان متوجهاً إليه إلا طلبُ الأهم ، ولا برهان على امتـناع هكذا اجتماع إذا كان بسوء الإختيار . فإنه يقال : إستحالةُ طلب الضدين ليست إلا لأجل استحالة طلب المحال ، واستحالةُ طلبه من الحكيم الملتـفت إلى مُحاليَّته لا تخـتص بحال دون حال ، وإلا لصح فيما علق على أمر اختياري في عرض واحد بلا حاجة في تصحيحه إلى الترتب ، مع أنه محال بلا ريب ولا إشكال . إن قلت : فرقٌ بين الإجتماع في عرْضٍ واحد ، والإجتماعِ الترتّبـي ، فإنّ طلب الأول ـ في الإجتماع العرْضي ـ يطارد طلَبَ الآخَرِ ، بخلافه في الترتّبـي ، فإنّ طلب المهمِّ لا يزاحِمُ طلبَ الأهمِّ ، فإنه يكون على تـقدير عدم إرادة الإتيان بالأهم ، قلت : ليت