دُرُوسٌ في عِلْمِ الأُصُول (الحَلَقَةُ الرّابِعَة) - آل فقيه العاملي، ناجي طالب - الصفحة ٢٨٩ - التطبـيق الخامس الشبهة الغير محصورة(
* وأمّا على التـفسير الثانيوهو ما إذا كانت أطراف العلم الإجمالي كـثيرةً بحيث كانت بعض الأطرافِ خارجةً عن محل الإبتلاء ، فقد قال السيد الشهيد بأنه "ذهب المشهور إلى عدم منجزية العلم الإجمالي فيه ، وخالف في ذلك السيد الخوئي" [٢٤٦] ...
أقول : لا شكّ في أنّ خروج بعض الأطراف عن محلّ الإبتلاء لا يـبرّر الإقتحامَ عرفاً في الأطراف الميسّرة لنا . بـيانُ ذلك : لو كان أمامنا قنينـتا ماء في المطار ، واحدةٌ لنا وواحدةٌ قُرْبَها يَشربُ منها شخصٌ كافر ، وصار ولدُنا الصغير يلعب بهما ، حتى لم نَعُدْ نعلم أيُّهما لنا وأيهما لذاك الشخص الكافر ، وقام الكافرُ وأخذ إحدى القنينـتين معه إلى بلدٍ لا نسافر إليه عادةً ـ كالصين مثلاً ـ ، ففي هكذا حالة خرجت تلك القنينةُ عن محلّ ابتلائـنا ، فهل تَرى المتشرّعةَ يشربون من القنينة الباقيةِ أمامنا ، بذريعة عدم العلم بجامع التكليف ، لأنّ النجس الواقعي إن كان هو المائع الذي خرج عن محلّ ابتلائـنا فليس موضوعاً للتكليف ، لأنّ التكليف مشروط بالقدرة ، فلا علم إجماليّ بالتكليف الفعلي إذن .
والصحيح أنّ النجس الواقعي لا يزال باقياً ومردّداً بين القنينـتين ، ولا دخل لعدم تـنجيز حرمة شرب تلك القنينة بـبقاء النجاسة بين القنينـتين ، فرغم أنـنا غيرُ مكلّفين ـ تكليفاً منجّزاً ـ بالنسبة إلى تلك القنينة سلباً ولا إيجاباً ، لكنْ هذا لا يرفع بقاءَ الملاك الإلزامي أي المفسدة الأكيدة في إحديهما ، فرفْعُ التكليفِ المنجّزِ لا يعني رفْع التكليفِ الفعلي ولا يستلزمه ، فضلاً عن رفعه للجعل ، فضلاً عن رفعه للمفسدة الإلزامية في أحد الطرفين . فشِرْبُ الخمرِ الموجود في بلدٍ لا نصل إليه ، حرامٌ علينا فعلاً ، نعم هو غير منجّز ، وذلك لعدم إمكان شربه عادةً ، فلا معنى لتـنجيز هذه الحرمة الفعلية علينا . وبتعبـير آخر : لا مانع من الحرمة الفعلية لشرب الخمر الذي في الصين حتى ولو علمنا أنـنا لن نصل إلى ذلك المكان عادةً ، وذلك لأنّ الفعليّة هي أمرٌ تكويني ناتج عن الجعل ، والجعل ثابت علينا ، أي الخمر الذي في الصين حرام ملاكاً وجعلاً ، إذن هو حرام فعلاً أيضاً ، ولا لغو في البين ، وذلك لعدم تـنجيز هذا الحكم علينا .
إذن هذا التقريب الثاني ـ وهو عدم منجّزيّة العلم الإجمالي في الشبهة الغير محصورة التي هي بمعنى كثرة الأطراف اللازمة لخروج بعض الأطراف عن محلّ الإبتلاء ـ غير صحيح ، رغم صحّة التسمية .
[٢٤٦]) بحوث في علم الاُصول ج ٢ / تقرير اُستاذنا السيد محمود الهاشمي/ مباحث الحجج والأصول العملية / خروج بعض الأطراف عن محلّ الإبتلاء ، رقم هذا البحث ١١ ص ٢٨٦ .