الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ١٤ - الثانية في الروايات الواردة في الحث على النكاح
فصعد المنبر، فحمد الله و أثني عليه، ثم قال: ما بال أقوام يحرمون علي أنفسهم الطيبات ألا إني أنام بالليل و أنكح و أفطر بالنهار، فمن رغب عن سنتي فليس منى فقام هؤلاء فقالوا: يا رسول الله لقد حلفنا على ذلك فأنزل الله [١] لٰا يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ. إلى آخر الآية».
فانظر إلى هذه الأخبار و صراحتها في دفع ما توهمه ذلك القائل من الاستدلال بالآية المذكورة و ضعف ما رد به الجواب المتقدم [٢]، فإنه لو كان ما ذكره (رحمه الله) حقا من استحباب ذلك في شرعنا كما كان في تلك الشريعة السابقة لما صدر عنه (صلى الله عليه و آله) هذه الإنكارات العديدة في هذه الأخبار، و النسبة إلى مخالفة سنته، و إن ذلك من الرجال و النساء، إنما هو من الرهبانية التي كانت سنة في الأمم السابقة و نسخت بسنته.
و أما باقي تعليلاته العليلة فهي في مقابلة ما ذكرنا من الأخبار أظهر في الضعف من أن يقابل بالإنكار.
و نزيده إيضاحا، فنقول: إنه إذا ثبت من الشارع الحث على هذا الفعل و الترغيب فيه، و بيان ما فيه من الأجر و الثواب و المنافع الدينية و الدنيوية، فهو من جملة المطالب الدينية المأمور بها، بل هو من أفضلها و أشرفها لما عرفت من زجره
[١] سورة البقرة- آية ٢٢٥.
[٢] أقول: و من ذلك ما رواه في كتاب مكارم الأخلاق، عن الصادق (عليه السلام) قال: قيل لعيسى بن مريم: ما لك أن تتزوج؟ قال: ما أصنع بالتزويج؟ قالوا: يولد لك، قال: و ما أصنع بالأولاد، ان عاشوا فتنوا، و ان ماتوا حزنوا. أقول: و مقتضى ما ذكره القائل المذكور، ان ما روى في شرعنا يلزم أن يكون الحكم فيه كذلك عندنا، فيلزم بمقتضى هذا الخبر مرجوحية التزويج في شرعنا و الاخبار المستفيضة كما عرفت بخلافه، و بالجملة فرواية ذلك أو ذكره في القرآن أعم من ذلك، و العام لا دلالة فيه على الخاص، و المرجع في تعيين الأمرين منه الى السنة و الاخبار، ففي مثل هذا الموضع يحمل كلامهم (عليهم السلام) على مجرد الحكاية و في بعض المواضع يحمل على العمل بذلك في شرعنا، كما أوضحنا ذلك في المباحث المتقدمة (منه- (رحمه الله)-).