الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة - البحراني، الشيخ يوسف - الصفحة ١٦ - الثانية في الروايات الواردة في الحث على النكاح
ثم إنهم قد اختلفوا أيضا في أنه على القول بأفضلية النكاح لمن تتق نفسه إليه هل هو أفضل من التخلي للعبادة، أم التخلي للعبادة أفضل؟ قولان: و المفهوم من الأخبار المتقدمة هو الأول، سيما الأخبار الأخيرة الواردة في ترهب عثمان ابن مظعون و اختياره الصلاة على النكاح.
و الأخبار الدالة على ذم العزاب، و الأخبار الدالة على أن ركعتين يصليهما متزوج خير من عزب يقوم ليله و يصوم نهاره، فإنها دالة بعمومها أو إطلاقها على أفضلية النكاح، تاقت نفسه أم لم تتق، إذ لا تفصيل فيها.
احتج من قال بالقول الثاني بما يتضمن التزويج من القواطع و الشواغل و تحمل الحقوق.
أقول: لا ريب أن هذا القول إنما يتجه على قواعد الصوفية، المعرضين عن العمل بالأخبار المعصومية، المبنية قواعد مذهبهم على مجرد الاختراعات الوهمية، و الخيالات الفكرية، و إلا فلا يخفى أن القول بهذا القول موجب لرد تلك الأخبار المتكاثرة بمجرد هذه الخيالات الفاسدة.
و الآمر بذلك عالم بما يترتب عليه من هذه الأمور المذكورة، و مع ذلك حث و أكد عليه أتم الحث و التأكيد، و ليس إلا من حيث رجحانه و أفضليته، و أن هذه الأشياء موجبة لزيادة الأجر فيه.
و في بعض الأخبار [١] أن أصحاب عيسى على نبينا و آله و (عليه السلام) كانوا يمشون على الماء، و أصحاب محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، لم يكونوا كذلك، فقال (عليه السلام)، «إن هؤلاء ابتلوا بالمعاش»،.
و حاصله أن هؤلاء كلفوا بتكاليف شاغلة لهم عن نيل تلك المرتبة، و من الظاهر ثبوت الأمر على هذه التكاليف، و أن مرتبتهم في الفضل لا ينقص عن أولئك، فأولئك لتجرد نفوسهم بالرهبانية التي كانوا عليها، و السياحة و التخلي عن الدنيا بكليتها نالوا تلك المرتبة.
[١] الكافي ج ٥ ص ٧١ ح ٣، الوسائل ج ١٢ ص ١٢ ح ١٠.