سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٦٠٨ - الفصل الحادي و العشرون غزوة حنين
الحصون المنيعة، و ما عليهم الا ان ينتظروا و الانتظار قد يطول، و هو لصالحهم اكثر منه لصالح المسلمين.
و اشار عليهم سلمان الفارسي كما في بعض الروايات باستعمال المنجنيق، و لم يكن معروفا عند العرب قبل ذلك فصوره لهم و صنعوه و قذفوا به الصخور الى ما وراء الحصون، و كان قليل الجدوى لم يكن يؤثر على حصونهم و لا على اعصابهم فاستعملوا نوعا آخر من الأسلحة كان لبعض القبائل المقيمة بأسفل مكة علم بها و هو الدبابة و هي آلة يدخلون في جوفها تقيهم النبال و السيوف، ثم يندفعون بها الى الحصون و منها ينفذون الى ما وراءها، و لكن رجال الطائف كانوا من المهارة بحيث اكرهوا هؤلاء على ان يلوذوا بالفرار، فقد حموا قطعا من الحديد بالنار و قذفوا الدبابة بها فأحرقتها و لاذ من بها بالفرار و لما خرجوا منها رشقوهم بالنبال فأصابوا رجالا منهم.
و لم يبق للنبي من وسيلة للضغط عليهم الا الالتجاء الى تقطيع الكروم و الأشجار و كانت الطائف غنية بالكروم و مختلف انواع الأشجار المثمرة عساهم يستسلمون عند ما يرون املاكهم قد تعرضت للخطر، و بدلا من ان يستسلموا ارسلوا الى النبي (ص) يناشدونه ان يكف عنها لأصحابها او يأخذها لنفسه، فأمر عند ذلك اصحابه بالكف عنها.
ثم نادى مناديه اهل الطائف انه سيعفو عن كل وافد إليه منهم، ففر إليه جماعة، منهم ابو بكرة نفيع بن الحارث بن كلدة فأخبر النبي انهم يملكون من المؤن و الذخائر ما يكفيهم زمنا طويلا، فاستدعى رسول اللّه نوفل بن معاوية الدؤلي و استشاره في امرهم، فقال نوفل: يا رسول اللّه ان ثقيفا كثعلب في جحر فإن اقمت عليه اخذته و ان تركته لم يضرك، و كان قد مضى على النبي نحو من خمسة عشر يوما او تزيد، و قد اصبحوا على ابواب ذي القعدة و هو من الأشهر الحرم، و قد حرم فيه الإسلام القتال، فآثر النبي (ص) ان يرفع الحصار عنهم و يرجع بمن معه الى الجعرانة حيث الأسرى و الغنائم، و منها الى مكة ثم الى المدينة