سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٨٣ - مولد الامام علي بن ابي طالب
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً.
و جاء في بعض الأحاديث عن النبي (ص) ان واضع العلم عند غير اهله كمن يقلد الخنازير الجوهر و يضع في أعناقها اللؤلؤ و الذهب.
و نجد احيانا أناسا ظلوا يتعلمون زمنا طويلا و مع ذلك فهم يتخبطون في فهم الحقائق و طبيعة الأشياء كما يتخبط الأعشى في مسيرته لا يوصله علمه الى مرتبة رجل أمي قد اوتي رشده بفطرته بدون علم و دراسة.
و محمد بن عبد اللّه (ص) و ان لم يتعلم فقد كان من الطراز الرفيع في تفكيره الصائب و نظره السديد يقظ القلب صاحيا بين السكارى و الغافلين يستعين بصمته الطويل الموصول بالليل و النهار بين هضاب مكة و شعابها و رمال الصحراء الممتدة و عمرانها المتواضع، يستعين بهذا الصمت على التأمل في هذا الكون و اكتشاف الحقائق و التجرد عن نوازع النفس الى متع هذه الدنيا التي كانت تتحكم بذوي العقول و تسيطر على الأفكار و الألباب.
صحيح ان محمدا (ص) لم يتلق علما من راهب او كاهن و لم يأخذ عن الفلاسفة الذين عاصروه و سبقوا عصره، و لكنه كان بعقله الكبير و فطرته الصافية قد احاط بواقع الحياة و شئون الناس و احوال الجماعات فأعرض عن خرافاتهم، و ابتعد عن أساطيرهم و عاشر الناس على بصيرة من امره، فما وجده حسنا شاركهم فيه، و ما كان قبيحا اعتزله و ابتعد عنه و ترفع عمن ابطرهم الغنى و أفسدهم الرخاء، و مال بهم الطيش الى سفه و مجون و ولوغ في اعراض الناس و دمائهم.
و جاء عنه انه قال اكثر من مرة: ما هممت في حياتي بشيء مما كان اهل الجاهلية يفعلونه حتى اكرمني اللّه برسالته، و كلما حدثتني نفسي بشيء من لهوهم و مجونهم كان اللّه يحول بيني و بينه.
لقد كان محمد بن عبد اللّه يفكر و يتأمل في الكون و أسراره و في الحياة