سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٥٣ - رجوع قريش الى ابي طالب
و الأسود بن المطلب بن أسد و العاص بن وائل و غيرهم ممن يمثلون قبائل مكة و جميع سكانها و قالوا له: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فانك تعلم انه ليس من الناس احد أضيق منا بلدا و لا أقل ماء و لا أشد عيشا، فسل ربك الذي يفتيك بما تدعيه ليكشف عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، و ليبسط لنا بلادنا و ليفجر لنا فيها انهارا كأنهار الشام و العراق، و ليبعث لنا من مضى من آبائنا، و ليكن فيمن يبعثه قصي بن كلاب، فانه رجل صدق، فنسألهم عما تقول: ا حق هو أم باطل فإن صدقوك و صنعت ما سألناك، صدقناك و عرفنا به منزلتك من اللّه و انك رسوله كما تقول:
فرد عليهم بقوله: ما بهذا بعثت إليكم، إنما جئتكم من اللّه بما بعثني به و قد بلغتكم ما ارسلت به إليكم، فان قبلتموه فهو حظكم في الدنيا و الآخرة و ان تردوه علي اصبر لأمر اللّه تعالى حتى يحكم اللّه بيني و بينكم بالحق و هو خير الحاكمين.
انه اجابهم بما بعث به ليفكروا و يتأملوا و ليكون ايمانهم باللّه و رسالاته بمحض اختيارهم و قناعتهم بتلك الأدلة التي أقامها لهم لا بتلك الاساليب التي هي اشبه بالالجاء على الايمان و معها يبطل تحكيم العقل، و هو لم يطلب منهم إلا ما يقبله العقل، بل ما يمليه و يحتمه.
لقد طلبوا منه ان يثبت رسالته بالخوارق و المستحيلات على الانسان، و قد عبدوا الحجارة و الاخشاب التي لا تملك لهم نفعا و لا ضرا و لم يطلبوا إليها ما يثبت ألوهيتها، و لو انهم طلبوه منها لظلت خشبا او حجارة لا تستطيع ان تدفع عنها من يريد تحطيمها او احراقها.
انهم لم يطلبوا ذلك الا تعنتا و تعجيزا و لو استجاب لهم محمد بن عبد اللّه، و كان بامكانه ذلك اذا سأل اللّه، و لكنهم سيسخرون و يهزءون حتى لو فعل ذلك، بدليل انهم قد عبدوا الاحجار و الاخشاب التي صنعوها بايديهم كما يريدون.