سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٧٩ - الفصل العشرون فتح مكة
معها.
ثم اخترط سيفه و اقبل عليها و قال لها: اما و اللّه لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنك ثم لأضربن عنقك، فلما رأت منه ذلك قالت له اعرض وجهك عني، فلما اعرض عنها كشفت قناعها و اخرجت الكتاب من عقيصتها و دفعته إليه فجاء به الى النبي (ص) فجمع المسلمين حتى امتلأ بهم المسجد فوقف بينهم و قال أيها الناس: لقد كنت سألت اللّه ان يخفي اخبارنا عن قريش، و ان رجلا منكم كتب إليهم كتابا يخبرهم بخبرنا، فليقم صاحب الكتاب قبل ان يفضحه الوحي فلم يقم احد، و لما اعاد النبي مقالته قام حاطب بن أبي بلتعة و هو يرتعد كالسعفة في مهب الريح العاصف و قال انا صاحبه يا رسول اللّه و مضى يعتذر الى النبي و يقول يا رسول اللّه: و اللّه اني لمسلم مؤمن باللّه و رسوله ما غيرت و ما بدلت، و لكني كنت امرأ ليس لي في القوم اصل و لا عشيرة و اصبح لي بين اظهرهم اهل و ولد فصانعتهم و امر النبي بإخراجه من المسجد، فجعل الناس يدفعونه في ظهره حتى اخرجوه و هو يلتفت الى النبي (ص) و لا يتكلم فرق له و ارجعه الى المسجد و اوصاه ان لا يعود لمثلها.
و جاء في بعض المرويات عن الواقدي و غيره ان عمر بن الخطاب قال للنبي (ص) دعني يا رسول اللّه اضرب عنقه فلقد نافق، فلم يلتفت إليه الرسول، و لما ألح في الطلب قال له النبي (ص) كما يدعي الواقدي، و ما يدريك يا عمر فلعل اللّه قد اطلع على اهل بدر و قال لهم اعملوا ما شئتم فلقد غفرت لكم [١].
[١] هذا الحديث من الموضوعات، و الذين وضعوه ارادوا بذلك تغطية بعض الجرائم التي ارتكبها بعض من حضر معركة بدر، و ليس من منطق الاديان ان يسمح اللّه للناس بارتكاب الجرائم و المخالفات لمجرد انهم اشتركوا في معركة كانت نتائجها لصالح المسلمين، او لأنهم فعلوا خيرا و احسنوا الى الناس مهما كان احسانهم بالغ الاثر لقد حدد القرآن موقف الاسلام من المحسنين و المسيئين بالآية التالية:
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.