سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٣ - تمهيد
هذا الجزء من البلاد العربية بعد ان انتشرت فيه المسيحية بمساندة الأحباش و اتسع نفوذ الأحباش فيه، و لما احس بخطر الأحباش على المنطقة بكاملها قام بهذا الأمر لقطع الطريق عليهم، و حتى لا يتسع نفوذهم في بلاده، و يؤيد أصحاب هذا الرأي رأيهم، بأن الأحباش منذ أن علموا بما جرى لنصارى نجران هبوا لنجدتهم و أرسلوا جيشا كبيرا بقيادة أرباط و أبرهة و كانت المعارك لصالحهم، و بسطوا نفوذهم على اليمن بكاملها، و اخذ ظل اليهود يتقلص من بلاد اليمن و تحل محله المسيحية، و استمر نفوذ الأحباش في اليمن و تهامة و ما جاورها من سنة ٥٢٥ ميلادية الى سنة ٥٧٥ حيث غزا الفرس بلاد اليمن و احتلوها و أبعدوا الأحباش عنها في حين ان النصرانية في نجران لم تتأثر بالغزو الفارسي و استمرت الى ما بعد ظهور الاسلام حيث أجلاهم عنها عمر بن الخطاب و أعطاهم ثمن املاكهم و ديارهم كما ذكرنا.
و مهما كان الحال فالمقصود من هذه اللمحات عن حياة العرب قبل الاسلام هو ترجيح الرأي القائل بأن العرب لم يكونوا كما يصورهم بعض الكتاب من العرب و المستشرقين أشبه ببنيان قد تداعت أركانه و انهارت أسسه و قواعده و لم يبق شيء منه في المحل المناسب له على حد تعبير أولئك الذين جردوهم من جميع القيم و الفضائل و ألحقوهم بالوحوش الضارية التي تلتهم كل من تراه لا يعرفون الرحمة و لا العدل و لا شيئا من مقومات الحضارة و العمران، و قد ذكرنا ان الدراسات الواعية لتاريخهم الحافل بالإباء و الشمم و الكرم و النجدة و الشعر و الحكم و الشجاعة و غير ذلك مما يحدثنا عنه تاريخهم و أخبارهم بالاضافة الى ان التجارة التي كانوا يتعاطونها و الامارات التي أسسوها على حدود الفرس و الرومان، و الديانتين المسيحية و اليهودية اللتين انتشرتا في اكثر المناطق العربية، كل ذلك من المرجحات للوقوف الى جانب الرأي الآخر الذي يراهم كغيرهم من الأمم التي تتمتع بوجودها الذاتي و خصائصها الكريمة في حدود ما يمكن ان ينتج عن حياة البداوة و طبيعة الصحراء القاسية.