سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٠٠ - الفصل السّادس عام الحزن و لمحات عن مواقف ابي طالب و خديجة و اسلام ابي طالب
احد من المشركين ان يقوم بعمل من هذا النوع فنفسه طيبة بأن يكون اعز أولاده عليه فداء لابن اخيه.
لقد كان محمد يشاهد كل ذلك فتخف عنه آلامه و يطمئن على مسيرة الدعوة، فاذا رجع الى بيته وجد فيه خديجة زوجته الوفية الصادقة في ايمانها و وفائها فتستقبله بقلبها و ببشاشتها لتهون عليه الشدائد، و يرى فيها الزوجة التي شاركته المصائب و الآلام لم تتزعزع و لو لحظة واحدة بل بذلت له ثراءها الواسع و كل ما تملك من جاه و مال لإنجاح دعوته.
في العام العاشر من مبعثه الذي سماه هو نفسه عام الحزن، و في شهر رمضان من ذلك العام كما يرجح جماعة من المؤرخين اشتكى ابو طالب بعد ان تخطى الثمانين، و اخذ المرض يفتك به و شعر بدنو اجله، و لكن المرض على وطأته لم يشغله عن محمد رسول اللّه، و بات يفكر فيه لا بأوجاعه و لا بقواه المنهارة، و ايقن ان قريشا سوف تستبيح من محمد بعد وفاته، ما لم تكن تستطيعه في حياته، فلم تشغله اوجاعه و آلامه عن ترغيب قريش في الاسلام و دعوتهم إليه و قد اجتمعوا حوله لعيادته، فقال لهم: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد و اتبعتم امره فأطيعوه تنالوا السعادة في دنياكم و آخرتكم و لكنهم كعادتهم لم يسمعوا قوله، و لم يقبلوا نصيحته.
و رجعوا إليه في اليوم الثاني و قد ألح عليه المرض و أشرف على نهايته فقالوا يا أبا طالب: انك منا حيث قد علمت و قد حضرك ما ترى، فضع حدا للخصام بيننا و بين ابن اخيك فخذ له منا، و خذ لنا منه ليكف عنا و نكف عنه، و يدعنا و ديننا و ندعه و دينه، فقال لهم النبي (ص) و كان حاضرا ملازما لعمه: اعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب و تدين لكم بها العجم، فقال ابو جهل: نعم و أبيك و عشر كلمات لا كلمة واحدة، قال تقولون: لا إله إلا اللّه و تخلعون ما تعبدون من دونه، فقالوا أ تريد ان تجعل الآلهة إلها واحدا، ثم قال بعضهم لبعض: و اللّه ان هذا الرجل لا يعطيكم شيئا مما تريدون.