سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٥٤ - الفصل الثامن الهجرة الى المدينة
الذي كان يرتعد منه ان يسير سيرا منتظما، اما انه كان يصنع ذلك ليفتدي محمدا بنفسه فيما لو ادركه الطلب، أو تلقاه الرصد، فلم يحدث التاريخ عنه بأنه كان من ذوي البطولات و التضحيات الجسام في سبيل محمد (ص) و قصة الغار و اضطرابه الشديد و هو مع النبي يطمئنه و يخفف من جزعه و اضطرابه خلال المدة التي قضاها مع النبي (ص) في الغار تشهد بذلك.
و جاء في كتب السيرة انهما اقاما في الشعب ثلاثة ايام و خلالها قد استأجرا دليلا ليقطع بهما المسافة الى يثرب على غير الطريق العام مخافة ان يدركهما طلب قريش، و كان الدليل عبد اللّه بن اريقط الليثي و هو لا يزال على شركه، و لكن النبي (ص) قد وثق به و امن من غدره، فلما حان موعد خروجهما من الغار اتاهما الدليل ببعيريهما و اتتهما اسماء بنت ابي بكر بطعامهما في جراب و نسيت ان تجعل له عصاما، فلما أرادا أن يرتحلا ذهبت لتعلق السفرة فاذا ليس فيها عصام فحلت نطاقها فجعلت منه عصاما للسفرة و ذهبت بالباقي فسميت ذات النطاقين. ثم ارتحلا و معهما غلام لأبي بكر يدعى عامر بن فهيرة أردفه ابو بكر خلفه، و اخذ بهم الدليل على طريق الساحل.
وجدت قريش في طلب النبي (ص) و جعلت لمن قتله او اسره مائة ناقة و مروا في طريقهم على خيمة أمّ معبد الخزاعية و كانت تقري الضيف فسألوها تمرا او لحما يشترونه منها فلم يجدوا عندها شيئا، فقالت و اللّه لو كان عندنا شيء ما اعوزكم القرى، فنظر رسول اللّه الى شاة في جانب الخيمة و قال: ما هذه الشاة يا أمّ معبد؟ قالت: هي شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال لها النبي: هل بها من لبن؟ قالت: هي اجهد من ذلك، فقال: أ تأذنين لي ان احلبها؟ فقالت: نعم فداك ابي و أمي ان رأيت بها حلبا، فدعا رسول اللّه (ص) بالشاة فمسح ضرعها بيده و ذكر اسم اللّه، ثم قال: بارك اللّه في شأنها فدرت من ساعتها فدعا بإناء كبير فحلب فيه فسقاها و سقى اصحابه حتى رويت و رووا و شرب هو آخرهم، ثم قال: