سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٤ - تمهيد
و كل ما في الأمر انهم لم يخضعوا لنظام معين من نوع الانظمة التي كانت تخضع لها الدول الكبرى المجاورة لهم و رفضوا جميع انواع التسلط الذي يحد من حرية الأفراد و الأسرة و القبيلة. و لعله لذلك و لبعض النواحي الاقتصادية لم تطمع الدول المجاورة لهم كالرومان و الفرس و الأحباش باحتلال تلك المنطقة من شبه الجزيرة التي لا يرضى أهلها عن الحرية بديلا مهما كان نوعه.
و على اي الاحوال فقد ادعى الهمداني في كتابه الوشي المرقوم ان العرب بسبب اتصالهم بغيرهم و بسبب المركز الديني الذي كان لمكة قد احاطوا بأخبار العرب و العجم و تناقلوها فيما بينهم، و أضاف الى ذلك احمد امين في كتابه فجر الاسلام ان الهمداني قال: لم يصل الى احد خبر من أخبار العرب و العجم الا عن طريق العرب، و مضى يقول، بأن من سكن مكة منهم احاط بما كان للعرب العاربة و أخبار أهل الكتاب، حيث كانوا يدخلون البلاد للتجارة و يتعرفون على أخبار الناس و أحوال الامم، و من سكن الحيرة و جاور الاعاجم عرف من أخبارهم و أخبار حمير و سيرها في البلاد و مخلفاتها الحضارية و الثقافية و غير ذلك من أخبارهم، كما و ان من سكن بلاد الشام منهم لا بد و ان يكون قد عرف الكثير من أخبار الرومان و الإسرائيليين و اليونان، و هكذا بالنسبة لعرب البحرين و عمان و اليمن و غيرها من المقاطعات التي كانت تتصل بالامم المجاورة لها و تتبادل و اياها مختلف الشؤون الاجتماعية و الاقتصادية و حتى الدينية احيانا.
و الذي تجدر الاشارة إليه و لا بد من اخذه بعين الاعتبار هو ان الذي عرفوه و استفادوه من احوال تلك الامم و عاداتها و حضارتها كان محدودا و غير منظم يوم ذاك لعدم توفر الاسباب الكافية للتنظيم الشامل بسبب الموانع الطبيعية التي كانت تفصل بينهم و بين غيرهم كالصحارى و الجبال التي عاشوا فيها طوال حياتهم و اختاروا لانفسهم فيها نظاما مستقلا أصبح مألوفا عندهم و مرتبطا بحياتهم و وجودهم.