سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٨٤ - الفصل التاسع تحويل القبلة الى جهة الكعبة
و من المعلوم ان تحويل القبلة من جهة بيت المقدس الى جهة الكعبة بعد أربعة عشر عاما و نصف على مبعثه من الحوادث الدينية التي شاع امرها و اشتهرت بين العرب في خارج المدينة و تناقلها الناس بسرعة خاطفة الى ان بلغ خبرها مكة و جوارها.
و من غير المعقول ان يسكت اليهود و المشركون في المدينة و جوارها عن هذا التشريع، و قد وجدوا فيه مجالا للدس و محاولة ناجحة لتشكيك المغفلين و المرتابين، و قد تراجع جماعة عن الاسلام بسبب تلاعب المنافقين و المشركين في عقولهم بعد هذا الحادث، كما جاء في رواية ابن جريج [١] من غير المعقول ان يسكتوا عن هذا التشريع، أولا لأنه أبطل التشريع الأول الذين كانوا يفخرون به و يتباهون باتباع محمد لقبلتهم في صلاته التي هي من أعظم أركان شريعته.
و ثانيا فلأنهم مفطورون على الدس و الكذب و التشويش على جميع الأديان و الشرائع و المثل، و لا يفوتهم ذلك اذا وجدوا سبيلا إليه، في حين ان محمدا (ص) حينما دخل المدينة أراد ان يتقي شرهم فحاول في معاهدته التي وضعها ان يجعل من سكان المدينة و جوارها على اختلاف اتجاهاتهم وحدة متراصة، و أعطاهم ما للمسلمين من الحقوق و الواجبات، و أكد لهم ضمانة حرياتهم و معتقداتهم و عاهدهم على ضمانة تلك الحريات و الدفاع عنها إذا اقتضى الأمر ما داموا مسالمين يحترمون ما لغيرهم من الحقوق و الواجبات كما تشير الى ذلك الوثيقة التي أوردناها قبل الحديث عن تحويل القبلة.
و مع ان النبي (ص) خطط لهذه الغاية و عاهدهم على ذلك، فقد نقضوا عهده و تجاهلوا تلك الوثيقة و لما تمض عليها أشهر قليلات و بدءوا يدسون و يتعاونون مع المشركين و المنافقين و لا يتركون وسيلة من وسائل الكيد
[١] انظر الرازي جزء ٢ ص ١١٧.