سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٨٢ - مولد الامام علي بن ابي طالب
يدركه بعد الرسول انسان سواه و لم تكن فيه صفة الا و هي مشدودة الى صفة من صفات النبي العظيم، و ما من شيء انكره قلب النبي من احوال الجاهلية و سيئاتها إلا و انكره قلب علي (ع)، و أدرك ما يحيط بهذا الكون من حقائق وجوده و نواميس بقائه، و هو القائل لقد عبدت اللّه قبل ان يعبده احد من هذه الأمة بسبع سنوات.
و قد اجمع محبوه و شانئوه على السواء على انه أعلم المسلمين و أقضاهم و أشجعهم و أكثرهم عبادة و زهدا، و أوفرهم ادراكا و عقلا، و أحرصهم على تحقيق العدالة و انصاف المظلومين، و قيل لعبد اللّه بن العباس و هو حبر الأمة اين علمك من علم ابن عمك، فقال كنسبة قطرة من المطر الى البحر المحيط.
و السؤال الذي يمكن ان يتوجه هو ان النبي (ص) في الفترة التي احتضن فيها عليا لم يكن فيها نبيا ليتلقى فيها العلم من الوحي و يلقنه عليا (ع)، و كان مع ذلك اميا لا يقرأ و لا يكتب، فمن اين جاءه العلم، و كيف حصلت له المعرفة ليعلم غيره و يعرفه اسرار الكون و حقائق الأشياء.
قد يعترض القارئ هذا النوع من التساؤل، و لكني لا احسب ان الجواب على هذا النوع من التساؤل يحتاج الى مزيد من التفكير و التأمل الطويل، فعند ما يرجع الباحث الى تاريخ العظماء و العباقرة و الأنبياء يدرك ان سلامة التفكير و الفهم الصحيح لكثير من الحقائق لا يتوقف على الدراسة و استيعاب القواعد و القوانين، و ليس كل من تعلم و استوعب استطاع ان ينفذ الى حقائق الأمور و طبيعة الأشياء، ان كثيرا ممن يتعلمون كالببغاوات تردد ما تسمع بدون وعي و ادراك، و قد يحفظ الطفل بعض الآراء و النظريات فلا الأطفال بما حفظوه من خطب و آراء و نظريات قد اصبحوا من المفكرين، و لا الببغاوات بما تحكيه تتحول بشرا، و قد نجد عالما يحفظ و يفقه و يتعمق في العمل، و لكن العلم بنفسه لا يبعثه على خير و لا يردعه عن شر ما لم يصادف نفسا طيبة و روحا خيرة كريمة، و قد شبه اللّه احبار اليهود الذين حملوا التوراة و لم يتأدبوا بها و يعملوا بمضامينها بالحمير التي تحمل الأسفار فقال: