سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٥١ - الفصل الثامن الهجرة الى المدينة
فجميع مواقفهما تأتي في القمة بين مواقف الابطال و المناضلين في سبيل اللّه و خير الانسانية.
و الذي يدعو الى الدهشة و الى الاستغراب ان الذين كتبوا التاريخ الاسلامي و السيرة النبوية و احصوا الحوادث التي رافقت سيرة الرسول لم يغفلوا عن شيء من تلك الحوادث، و مع ذلك فقد كانت نتيجة ابي طالب عند القدامى و المحدثين الذين يزعمون انهم قد كتبوا بروح مجردة عن الرواسب و العقد الكريهة يذهبون الى ان أبا طالب مات مشركا و يحاولون باساليبهم الملتوية ان يجعلوا التجاء ابي بكر الى الرسول في الغار و مسيرته معه الى يثرب فضيلة لا تثبت في مقابلها مواقف ابي طالب و لا مبيت ولده على فراشه ليلة الهجرة و غيرهما يوم كان محصورا في الشعب و إقدامه على الموت ليسلم الرسول و بالتالي لتعم دعوته شبه الجزيرة و ما وراءها من العالم، في حين ان اللّه قد انزل فيه بهذه المناسبة قوله في سورة البقرة:
وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ كما نص على ذلك الرازي في تفسيره و أضاف ان جبريل قال له: بخ بخ من مثلك يباهي به اللّه ملائكته.
في حين ان ابا بكر حين التجأ مع الرسول الى الغار كان الرسول يطمئنه و يمنيه السلامة بواسطة الوحي و مع ذلك فلقد كان يبكي و يرتعش من الخوف و كاد ان يفقد وعيه، و النبي يقول له: لا تحزن ان اللّه معنا اقول ذلك مع تقديري لمكانة ابي بكر و صحبته المبكرة للرسول (ص).
و لا بد لي و انا اكتب عن سيرة الرسول (ص) ان اسرد القصة و لو بنحو الاجمال معتمدا في ذلك على اوثق المصادر في السيرة و التاريخ.
فلقد جاء في كتب السيرة ان رسول اللّه امر ابا بكر و هند بن أبي هالة ربيب رسول اللّه (ص) من زوجته خديجة (رضوان اللّه عليها) ان يقعدا له في مكان حدده لهما في طريقه الى الغار، و لبث مع علي يوصيه بالصبر و لما خرج