سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٤٧ - الفصل الثامن الهجرة الى المدينة
و لما لم يبق في مكة الا نفر يسير من المستضعفين و معهم النبي (ص) و علي و ابو بكر بن أبي قحافة، و كان ابو بكر كلما أراد ان يخرج يشير عليه النبي (ص) بالبقاء كما في كتب السيرة و التاريخ، و شعرت قريش بأن الدعوة قد انتقلت من مكة، و اتخذت مكانا لها فيه انصار يفتدونها بأموالهم و انفسهم، و قدرت بأن محمدا بين عشية و ضحاها سيلتحق بأصحابه و ستكون له الغلبة عليهم ان عاجلا أو آجلا ان هو خرج من بينهم و التحق بأصحابه فما عليهم اذن، و هو لا يزال في قبضتهم، إلا ان يتخذوا بحقه قرارا نهائيا حاسما قبل فوات الأوان، فاجتمع طواغيتهم في دار الندوة ليتخذوا القرار المناسب بشأنه.
و جاء عن ابن عباس (رحمه اللّه) انهم لما اجتمعوا في دار الندوة في اليوم الذي تواعدوا فيه قال بعضهم: ان هذا الرجل قد كان من امره ما كان و ما قد رأيتم و إنا و اللّه لا نأمنه من الوثوب علينا بمن قد اتبعه من غيرنا فقيدوه بالحديد وضعوه في بيت و أغلقوه عليه حتى يأتيه الموت.
و رأى شخص آخر ان يطرد من مكة و تنفض قريش يدها منه، فاستبعد الحاضرون هذين الرأيين و لم يتفقوا عليهما، و ارتأى ابو جهل بن هشام ان تختار كل قبيلة فتى من فتيانها الأشداء و يعطى كل واحد منهم سيفا ماضيا و يعمدون إليه بأجمعهم فيضربونه ضربة واحدة، فاذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل كلها، و لم يعد باستطاعة احد من بني هاشم ان يطلب بدمه، فيختارون ديته على القتال، فاستحسن الجميع هذا الرأي، و بالفعل اتفقوا على الفتية و على الليلة التي يتم فيها تنفيذ المؤامرة و قد أشار القرآن الكريم الى هذا التدبير بالآية كما يدعي اكثر المفسرين:
وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ، أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.
و المراد من مكر اللّه الذي ورد في الآية، هو ان اللّه قد فوت عليهم