سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٠٨ - السرايا او المناوشات الأولى
سكان المدينة حول محمد بن عبد اللّه (ص) الى غير ذلك من المزاعم التي لا تؤيدها سيرة محمد و تاريخ الدعوة و مبادئ الإسلام التي تهدف اول ما تهدف الى الرحمة و العفو و توفير الاطمئنان و الأمان و الحياة الحرة السعيدة لجميع الناس، و لم يشأ النبي (ص) في يوم من الأيام ان يكره احدا على التخلي عن دينه و لا ان يفرض سطوته و يتأله على الناس، و قد عاهد اليهود و المشركين حين دخوله المدينة، و ضمن لهم حرية التصرف كما يريدون على شرط ان لا يعتدوا و لا يتعاقدوا مع احد عليه و على اصحابه، و ترك لهم ان يمارسوا دينهم كما يشاؤون، و فعل مع نصارى نجران مثل ذلك، في حين انه كان حينما وفدوا عليه أقوى منه حين عاهد المشركين و اليهود في المدينة و غيرها، و المتتبع لسير الدعوة و أهدافها لا يبقى لديه مجال للتردد في ان محمدا لم يكن في يوم من الأيام ليخطط للانتقام و الثأر، و قد عفا عن قاتل عمه الحمزة و عمن أكلت من كبده و مثلت به أفحش تمثيل و أقساه.
و لو كان يحقد على قريش و يطمع في اذلالها كما يدعي المستشرقون، و يضع في حسابه ما فعلته معه خلال ثلاثة عشر عاما حتى اضطر اخيرا ان يخرج ليلا هاربا بدمه، لكان باستطاعته ان يستوفي لنفسه منها حينما ظفر و كانت تظن انه سيفعل، و لكنه بدلا من ان يثأر لنفسه و للمعذبين من أصحابه دخل مكة عام الفتح مطأطئا رأسه خجلا من قومه كأنما كان يعيش بينهم في امن و أمان و تعظيم و احترام و أعلن كلماته الخالدة التي تمثل سماحة الإسلام و أهدافه العليا.
اليوم يوم المرحمة من دخل داره فهو آمن و من ألقى سلاحه فهو آمن و من أغلق عليه بابه فهو آمن و من دخل دار ابي سفيان فهو آمن الى غير ذلك من البلاغات التي أعلنها لتسبقه الى مكة، فمن كان يحمل هذه الروح الطيبة الطاهرة و يدعو الى الرحمة و السلام، و المحبة و الأمن و الأمان، فمن الظلم الفاحش ان تفسر حركاته بالانتقام لنفسه و لأصحابه و هو لا يزال في مطلع عهده الجديد يعالج هو و اصحابه و انصاره مشكلة المنافقين و المشركين و اليهود