سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٦٢٤ - الفصل الثاني و العشرون غزوة تبوك
المناسب لأنه سيقابل به اكبر دولة يومذاك، و لما لم يكن بإمكانه ان يوفر لذلك الجيش كل ما يحتاجه من المؤن و العتاد رأى ان المصلحة تحتم عليه ان يكلف اغنياء المسلمين و يستعين بهم على تجهيزه بما يحتاج إليه من المؤن و العتاد، فأرسل الى جماعة منهم رغب إليهم ان يتعاونوا معه بما آتاهم اللّه من فضله، فأسرع جماعة منهم الى البذل بسخاء في هذا السبيل بالرغم من الفائقة التي اصابت الحجاز في ذلك العام و اصبحت ضرورات الحياة في حكم المتعذرة على الطبقات الضعيفة من آثار القحط و الجفاف.
و كانت الغزوة في فصل الصيف اللاهب و الناس ينتظرون موسما جديدا من ثمار المدينة و خيراتها، و يتمنون لو كانت في فصل آخر من السنة اكثر اعتدالا و يسرا من ذلك الفصل، بالرغم من كل ذلك فلقد استقبل جماعة من المسلمين هذه الدعوة بقلوب عامرة بالإيمان و نفوس مطمئنة بما وعد اللّه به المجاهدين تاركين نساءهم و ابناءهم ليقطعوا الصحاري و الفيافي الى عدد يفوقهم في العدد و العتاد في تلك السنة المجدبة التي سماها المؤرخون سنة العسرة بالنظر لما اصاب الناس فيها من القحط و الجفاف.
و استقبل تلك الدعوة جماعة ممن دخلوا في الإسلام رغبة و رهبة متثاقلين يتلمسون الأعذار يحتجون بالحر تارة و بعد المسافة اخرى، و قوة العدو الذي قهر جيش الفرس و جند في مقابل المسلمين في غزوة مؤتة اكثر من مائتي الف مقاتل حتى اضطرهم الى الفرار تاركين قتلاهم في ارض المعركة ثالثة الى غير ذلك مما كانوا يتعللون به و يتهامسون فيه لتثبيط عزيمة المسلمين و معنوياتهم.
و انزل اللّه على رسوله سورة التوبة التي تحث على الجهاد في سبيل اللّه مهما كانت العقبات و الصعاب، و تتضح مع ذلك نوايا المنافقين و المتخاذلين و تنذرهم بالعذاب و سوء المصير.
و بينا رسول اللّه يجهز الناس الى الخروج معه جاءه الجد بن قيس احد بني سلمة فقال له النبي (ص) يا ابا قيس هل لك في جلاد بني الأصفر و لعلك تحتقب