سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٠٨ - الفصل الثالث في غار حراء
و خرج الى حراء يفكر و يتأمل كعادته، و ينتظر ان يعود إليه الملك الذي جاءه أولا و بشره بالنبوة، ثم انقطع عنه، و بينما هو غارق في التفكير و التأمل؛ و إذا بجبريل يطل عليه و يقول: يا محمد انك رسول اللّه حقا، فارتاح لذلك و قرت نفسه، و ارتسمت على ثغره ابتسامة الرضا، و افترت شفتاه عن معاني الشكر و الحمد، و لم يبق لما تولاه من الخوف و الوجل من ان يكون اللّه قد قلاه و أعرض عنه، لم يبق لكل ذلك من اثر في نفسه، و ما عليه إلا ان يعود لبيته في مكة ليخبر خديجة بذلك و يطمئن قلبها برجوع الوحي إليه بعد انقطاعه عنه زمنا طويلا تعرضت خلاله لبعض الهواجس و الشكوك فيما كانت ترجوه لزوجها العظيم لا سيما بعد تلك البشائر التي زفها إليها ابن عمها ورقة بن نوفل.
و ترك ذلك النداء في نفسه أثرا طيبا و سرت عنه مخاوفه فأخلد للراحة و غلبه النوم و لم يكن يذوقه إلا لما أما خلال تلك المدة الطويلة، فجلست الى جانبه و أشفقت ان توقظه من نومه و اخذها الحنان و هي تتأمل في وجهه الشريف و تمعن النظر إليه، و فيما هي غارقة في بحر من الأفكار و اذا به قد اهتز و اضطرب و ثقل تنفسه و بلل العرق وجهه فاستيقظ من نومه ليستمع الى الوحي يقول له:
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَ لِرَبِّكَ فَاصْبِرْ.
و عظم عليها ما رأته من حاله، فازدادت اشفاقا عليه و توسلت إليه بضراعة ان يسلم نفسه لبعض الراحة، فقال لها، لقد انقضى يا خديجة عهد النوم و الراحة، فقد امرني ربي ان أنذر الناس و أدعوهم الى اللّه و عبادته، فمن ادعو، و من يستجيب لي، فأجهدت نفسها ان تهون عليه و تشد من عزيمته، و أعادت عليه حديث ابن عمها ورقة بن نوفل، و أعلنت من وقتها اسلامها و إيمانها بدعوته، و كان من الطبيعي ان تسارع إلى الايمان برسالته، و قد أحصت عليه حياته كلها، فما وجدت غير الامانة و الصدق و علو النفس و حب الخير لجميع الناس، و رأته في أيام تحنثه في حراء، و بعد ان جاء الملك يبشره