سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٠٢ - الفصل السّادس عام الحزن و لمحات عن مواقف ابي طالب و خديجة و اسلام ابي طالب
الشام، ثم تذكر و تذكر، و مضى يتذكر مواقفه مع المشركين يوم جاءه ذات يوم و هو ملطخ بالفرث و الدم، فقام و اشتمل على السيف و معه غلامه حتى اتى الكعبة و جبابرة قريش جلوس الى جانبها فلما رأوه احسوا بالشر، فقال لهم: و اللّه لئن قام احد منكم ظللته بسيفي و امر غلامه ان يلطخ بالفرث و الدم وجوههم و ثيابهم واحدا بعد واحد. و تذكره يوم كان في الشعب محصورا مع بني هاشم كيف كان يحرسه في الليل و النهار مخافة ان يتسلل احد المشركين الى الشعب و يغتاله، و قد وزع بني هاشم على منافذ الشعب و حصن بهم حدوده، و تذكره يوم كان يضجعه في فراشه لكي يراه الناس و هو على فراش النوم، فاذا ذهب كل انسان الى فراشه و أوى الى مضجعه و هدأ الشعب في سكون الليل و سكون النوم اقبل عليه و اخذه بيده الى فراش آخر و أضجع على فراشه احد ولده حتى اذا حدث احد نفسه بشر لا يصاب بأذى، و تزاحمت الذكريات في ذهنه في تلك اللحظات و هو مسجى بين يديه، و ظل يتذكره طيلة حياته و بخاصة عند ما تشتد قريش عليه، و لقد قال بعد ذلك:
و اللّه ما نالت قريش مني شيئا اكرهه الا بعد موت ابي طالب. لقد بكاه محمد و أبكى من كان حوله و مضى الى بيته مهموما يبكي فوجد اليد التي كانت تمسح دموعه و تشاطره آلامه و احزانه ترتعد تحت وطأة المرض، و سقطت ميتة بعد ابي طالب بأشهر قليلة او ايام قليلة حسب اختلاف الروايات في ذلك، و فقد محمد (ص) خلال اشهر و أيام عمه الذي رباه و نصره و ضرب المثل الأعلى في التضحية و النصرة و الرعاية خلال اربعين عاما او تزيد، و زوجته التي بذلت له مالها و واسته في جميع الخطوب و النكبات، و كانت تود ان تتحمل عنه كل شيء ليسلم لرسالته، و شعر محمد ان المسرات تتخلى عنه و ان بهاء الحياة يعود ادكن مظلما.
و جلس يبكي الى جانبها و يبكي معه من في البيت، و اصحابه من حوله يحاولون ان يخففوا عنه آلامه و احزانه.