سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٠١ - الفصل السّادس عام الحزن و لمحات عن مواقف ابي طالب و خديجة و اسلام ابي طالب
و اشتد المرض بأبي طالب، و بينما رسول اللّه قد انصرف في حاجة له و إذا بالناعي قد أقبل إليه يخبره بوفاته فمضى مسرعا الى البيت الذي هو فيه فمسح جبينه الأيمن و الأيسر كما كان هو يمسح جبينه، ثم قال: رحمك اللّه يا عم ربيت صغيرا و كفلت يتيما و نصرت كبيرا فجزاك اللّه عني و عن الاسلام خير جزاء العاملين المجاهدين في سبيله بأموالهم و انفسهم و كل ما يملكون، ثم بكى و أبكى من كان معه حول أبي طالب.
لقد احس اعداء محمد بالانفراج ساعة موته، و كانوا من قبل يحسبون له الف حساب و حساب.
لقد بكى محمد و يحق له ان يبكي لأن ابا طالب كان له أبا حين فقد اباه و عضدا و ناصرا حين احتاج الى الناصر و المعين، و دافع عنه كيد قريش و جميع محاولاتها التي كانت تعدها لكي تبلغ منه ما تريد خلال عشر سنوات خلت لمبعثه، و ها هي الرسالة التي ناصرها ابو طالب بلسانه و يده و سيفه و جاهه و جميع ما يملك، و استطاعت بواسطته ان تتسلق اسوار مكة و هضابها لتشيع و تنتشر بين قبائل الحجاز، و تنطلق منها الى ارجاء الدنيا الواسعة، لقد اصبحت قريش تخطط لها من جديد، و من يدري ما ذا يحدث غدا بعدك يا أبا طالب.
لقد بكى محمد و استعاد الى ذاكرته في تلك اللحظات جميع تلك المواقف التي وقفها ابو طالب منذ كان صبيا الى تلك المرحلة من حياته.
تذكره و هو يقدمه على جميع اولاده في صباه، و يوم تعلق بزمام ناقته و قد اراد ان يذهب في تجارة له الى بلاد الشام و هو يقول له: الى من تكلني و لا اب لي و لا أم ألجأ إليهما و هو يقول له، و الدموع تتقاطر من عينيه و اللّه لا اكلك الى غيري ثم مد يده و جذبه الى صدره يشمه و أردفه خلفه، و أقسم انه لا يفارقه أبدا، و تذكر حديث الراهب مع عمه و كيف استولى الفزع على عمه و فضل ان يعود به سالما الى مكة، تاركا كل مغنم تجره عليه تلك الرحلة إلى