سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٦٠ - الفصل التاسع عشر عمرة القضاء
اصبح قريبا من مكة خرج منها زعماؤها الى رءوس الجبال و التلال المجاورة لها كأبي قبيس و حراء و المرتفعات المطلة عليها، و انحدر المسلمون من شمال مكة و قد اخذ عبد اللّه بن رواحة بخطام ناقة النبي القصوى و احاط به كبار الصحابة، و من خلفه البقية ممن خرج معه من المدينة، و لما انكشف لهم البيت انفرجت شفاه المسلمين بالنداء لبيك اللهم لبيك و وقف من بقي بمكة عند دار الندوة ينظرون إليه و إلى اصحابه.
و كانت قريش تظن ان محمدا في جهد و ضيق و عسرة و تتحدث بذلك، فلما دخل رسول اللّه المسجد و ادخل بعض ردائه تحت عضده اليمنى و جعل طرفه على منكبه الأيسر و قال رحم اللّه امرأ اراهم اليوم من نفسه قوة، ثم استلم الركن و خرج يهرول حول البيت حتى اذا واراه البيت عنهم و استلم الركن اليماني مشى حتى يستلم الركن الاسود، و كلما هرول هرول اصحابه من خلفه حتى اتم الطواف و قريش تنظر إليه من فوق رءوس الجبال فيأخذها العجب لهذا المنظر.
و في تلك اللحظات التي كانت قريش تتطلع الى هذا الطريد الذي خرج من مكة مطرودا قبل سبع سنوات قد عاد إليها اليوم و دخلها كما يدخل الفاتح المنتصر لا يصده عنها صاد و لا يحول بينها و بينه حائل، في تلك اللحظات نادى منادي المسلمين لا إله إلا اللّه وحده نصر عبده و اعز جنده و خذل الأحزاب وحده فتجاوب الوادي من جميع جهاته بأصداء تلك الأصوات، فارتجفت قلوب اولئك الذين تسنموا رءوس الجبال و المرتفعات و تملكهم الحقد و الغضب لهذا التحدي الصارخ. و لما اتم المسلمون الطواف حول الكعبة انتقل بهم النبي (ص) الى الصفا و المروة و اتم مناسك العمرة، و خلال الايام الثلاثة كان النبي يؤدي فريضة الصلاة في اوقاتها و خلفه الفان من المسلمين و قريش تنظر الى هذه المشاهد كلها، و تزوج النبي خلال هذه الرحلة بميمونة بنت الحارث شقيقة أمّ الفضل زوجة العباس و مهرها العباس اربعمائة درهم.