سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٣٠ - الفصل السابع عشر غزوة الحديبية
القضية [١].
و الذي يدعو الى التساؤل في موقف عمر بن الخطاب هذا كما اتفق عليه المؤرخون هو انه كيف اقدم على عمل من هذا النوع مع ان رسول اللّه قال له بأني لم أفعل ما فعلت الا بأمر من اللّه، و مع انه رأى من النبي الحرص و الاصرار على تنفيذه و وضع بنود الاتفاق في كتاب خاص يلتزم به الطرفان، فكيف يقدم سيفه لأبي جندل و يحرضه على قتل والده و هو في مقام التفاوض مع رسول من قبل قريش و لو قدر لأبي جندل ان ينفذ رغبة عمر بن الخطاب و يقتل اباه بسيفه فما ذا يكون موقف النبي من قريش و قد قتل مندوبها واحد زعمائها المبرزين فيها، بل و حتى عند جميع العرب الذين يعدون هذا النوع من الفتك من اقبح انواع الفتك القذر الذي يترفعون عنه مهما كانت النتائج.
ثم ان قريشا هل تسكت فيما لو تحققت امنية عمر بن الخطاب، و بلا شك بأنها كانت ستخوض مع النبي هي و احلافها معركة من اشرس المعارك على ابواب مكة و بطاحها و المسلمون لا يملكون الا سيوفهم حين ذاك، و من الصعب ان يتخلص المسلمون من ايديهم و هم على مثل هذا الحال و كل الملابسات تشير الى ان النصر سيكون لقريش، و كما ذكرنا لو نجح عمر في تخطيطه لكان ذلك سببا لاتهام المسلمين بالغدر و نقض المواثيق، و تكذيب النبي فيما اعلن عنه منذ خروجه من المدينة فلقد صرح في عشرات من المناسبات بأنه لم يخرج غازيا و لا مقاتلا و لا يريد الاساءة الى احد، و لم يتحرك إلا لأداء مناسك الحج لا غير.
و مجمل القول ان هذا الموقف من ابن الخطاب لو صح يسيء الى النبي و الى سمعته و يوشك ثم ان يعرض المسلمين لحرب ضارية لا بد و ان يكون
[١] انظر سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٣١٨ و ٣١٩ و تاريخ الطبري و البداية و النهاية و غيرها.