سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٨٢ - الفصل العشرون فتح مكة
اللّه، فقال العباس فحركت البغلة حتى اجتمعنا معا على باب خيمة رسول اللّه، فدخلت و إياه على النبي، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه هذا ابو سفيان قد امكن اللّه منه فدعني اضرب عنقه، فقلت اني قد اجرته يا رسول اللّه، ثم لزمت رسول اللّه و قلت و اللّه لا يناجيه الليلة احد غيري، فلما اكثر عمر بن الخطاب قلت مهلا يا عمر و اللّه لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، فقال مهلا يا ابا الفضل، و اللّه ان اسلامك كان احب إلي من إسلام رجل من ولد الخطاب، فقطع النبي حوارهما بقوله للعباس: اذهب به فقد اجرناه فليبت عندك حتى تغدو به علينا إذا اصبحت.
فلما اصبحت عدوت به على رسول اللّه فالتفت إليه، و قال ويحك يا ابا سفيان أ لم يأن لك ان تعلم ان لا إله إلا اللّه، قال بأبي أنت و أمي ما احلمك و اكرمك قد كان يقع في نفسي انه لو كان مع اللّه إله لأغنى عنا، قال أ لم يأن لك ان تعلم اني رسول اللّه قال بأبي و أمي ما احلمك و اكرمك و اعظم عفوك، اما هذه ان في النفس منها شيئا حتى الآن، فقال له العباس: ويحك تشهد، و قل لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه قبل ان تقتل كما جاء في رواية الواقدي و الطبري و غيرهما، فشهد على كره منه حينما ادرك ان الموت ينتظره لحظة بعد لحظة و في نفسه من نبوة محمد اشياء و أشياء و ظلت تلك الأشياء في نفسه الى ان مات.
و كانت تبدو منه بين الحين و الآخر فلتات تدل على انه من اخبث المشركين و اشدهم حقدا على الاسلام و نبي الاسلام كما يبدو ذلك لكل من تتبع تاريخه منذ ان ادعى الاسلام حتى النفس الأخير من حياته.
ثم التفت النبي (ص) الى العباس و قال له: انصرف به و احبسه عند حطيم حتى تمر به جنود اللّه فيراها، فقال العباس يا رسول اللّه ان ابا سفيان يحب الفخر فاجعل له شيئا يفخر به على قومه فقال النبي (ص) عند ذلك كلماته الخالدة التي انبعثت من قلبه الكبير الذي لا يحمله إنسان في هذه الدنيا، لقد اتسع قلبه لأهل مكة قاطبة و هم الذين كذبوه و اهانوه و عذبوا اتباعه