سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٤٩ - محمد مع عمه أبي طالب
فيها الناس جوعا و عطشا تحرم أولادها من القوت الضروري و تطعمه اياه و استمرت تعامله بهذه المعاملة الى ان شب و ترعرع، و أسرعت الى تصديقه و الايمان برسالته و الاخلاص لها في السر و العلانية هي و زوجها و أولادها منذ ان بدأ يدعو الناس لعبادة الواحد الاحد و الاستخفاف بالاصنام و التماثيل التي اتخذوها أربابا من دون اللّه، و لم يكن محمد بن عبد اللّه و هو الوفي الكريم الذي علم الناس الوفاء و الاحسان، لم يكن لينسى لها مواقفها التي أنسته فقد أبيه و أمه و جده، فلما ماتت بكاها و قال و الدموع تنهمر من عينيه، اليوم ماتت أمي و كفنها بقميصه و نزل في قبرها و اضطجع فيه، و صنع ما لم يصنعه مع مسلم قبلها، و قال لمن سأله عن هذا الموقف الذي لم يعهدوه منه مع احد قبلها، انها كانت أمي تجيع أولادها و تطعمني و تشعثهم و تدهنني و ما أحسست باليتم منذ ان التجأت إليها.
و على أي الأحوال فكما كان الزوج كانت الزوجة و أولادها حرصا و عطفا و ايمانا و تضحية في سبيل محمد و رسالته و دفاعا عنه و عنها في جميع المواقف و المشاهد.
و امتاز هذا البيت عن غيره حتى من بني عمومته و بنيهم الاقربين و من تناسل منهم في جميع المراحل التي مرّ بها محمد و دعوته، كما يبدو ذلك من الفصول الآتية في هذا الكتاب.
و اتفق المؤرخون و المحدثون ان محمدا في المراحل التي مر بها في صباه و شبابه كان يخطو الى الأمام بخطى واسعة سريعة في خلقه و خلقه و أصبح في مطلع شبابه مرموقا و مثلا كريما لكل الصفات النبيلة و الأخلاق الفاضلة، و وجد فيه المكيون و القرشيون سيدا من سادات العرب الموهوبين و مرجعا إليهم في المهمات و حل الخصومات كعمه الكفيل، ففي حرب الفجار التي نشبت بين كنانة و قيس كان هو و عمه عونا و سندا للمظلومين على الظالمين، و عند ما اشتركا مع كنانة كان النصر حليفهما على قيس كما جاء في رواية