سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٨ - تمهيد
و كأنه لا يزال حاكما يتصرف كما يريد.
وفاته ان الاسلام قد ألغى جميع الامتيازات و الاعتبارات و احتفظ لكل انسان بحقه مهما كان أصله و لونه، فشكاه الفزاري الى الخليفة، و لما أحس بأن الخليفة سيقتص للفزاري منه فر الى القسطنطينية و مات فيها.
و لكن رواية اليعقوبي تؤكد ان جبلة بن الأيهم وفد على عمر بن الخطاب و طلب إليه ان يأخذ منه صدقة أمواله كما يصنع مع غيره من العرب، فرفض ذلك عمر و ألح على أخذ الجزية منه، و أمره بالخروج من بلاد المسلمين اذا لم يدفع الجزية، فخرج منها جبلة و معه ثلاثون ألفا من أتباعه و التحق ببلاد الروم.
و كان يبدو من تاريخ الغساسنة انهم كانوا أبعد في تفكيرهم و أقرب الى الحضارة من عرب الحيرة لانهم كانوا على اتصال وثيق بالحضارة الرومانية و ثقافة اليونان، و قد وفد عليهم عدد كبير من شعراء شبه الجزيرة كالنابغة و الأعشى و المرقش الأكبر و غيرهم فاحسنوا إليهم و أكرموا وفادتهم و أجزلوا لهم العطاء، و بدا على هؤلاء الشعراء سرعة التأثر بما شاهدوه و سمعوه كما يبدو ذلك من قصائدهم المليئة بالقصص و الامثال و الاساطير التي تضمنتها أشعارهم و ندواتهم.
و مهما كان الحال فالنصرانية في تلك الفترة من تاريخ العرب قد توزعت الى فرق كثيرة و تعددت مذاهبها و أصبح لكل فرقة في الدين المسيحي رأي يخالف رأي الفرقة الأخرى و تنكرت تلك الفرق بعضها لبعض بسبب خلافها في الرأي و المعتقد تنكرا أنتج العداء و الاحقاد بينهم زمنا طويلا و لا تزال آثاره حتى اليوم.
و كان من بين تلك الفرق من ينكرون ان لعيسى جسدا يزيد على طيف يتبدى به للناس، بينما ذهب آخرون الى تعدد الروح و الجسد تعددا روحيا، و كان بينهم من يعبد مريم، في حين ينكر بعضهم بقاءها عذراء بعد وضع