سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٢٢ - اول من أسلم من الرجال
فالنصوص التي تحدثت عن كيفية اسلامه تدل على ان اسلامه لم يكن بحكم تبعيته للنبي (ص) و بدون وعي و تدبر كما هو الحال في اعمال الصبيان حسبما يدعي انصار الأمويين و العثمانيين، بل كان عن ايمان و قناعة بصحة الاسلام و صدق الرسول في ما دعا إليه.
فقد جاء في كيفية اسلامه انه دخل على محمد و خديجة و هما يصليان فوقف ينظر إليهما و هما يركعان و يسجدان و النبي يتلو ما تيسر من القرآن و يسبح اللّه و يحمده، و لما فرغ النبي (ص) من صلاته سأله علي (ع) عن ذلك، فأجابه بأنا نصلي للّه الذي بعثني نبيا و أمرني ان أدعو الناس لعبادته، ثم دعاه النبي (ص) الى الاسلام فاستمهله ليستشير أباه في ذلك، و بات ليلته يفكر و يتأمل حتى اذا أصبح أقبل على النبي و أعلن اسلامه و ايمانه بتلك الدعوة، و قال: لقد خلقني اللّه من غير ان يشاور أبا طالب، فلا أرى وجها لمشاورته في عبادة من خلقني و لم يستشر احدا في خلقي [١].
ان عليا كما تنص رواية اسلامه قد اسلم بعد التفكير العميق و التأمل الطويل، و بعد ان استعرض نعم اللّه و قدرته التي لا تحيط بها العقول فأدرك ان اللّه هو الخالق و المنعم لا يستشير احدا في خلقه و لا يجاريه احد في تدبيره فله الأمر و النهي و إليه المعاد و استعرض ما عليه قريش و غيرها من حمق و ضلالة في عبادتهم للأصنام و الأحجار و التماثيل التي يصنعها الانسان بيده و يتخذها أربابا من دون اللّه.
اما ابو بكر فلقد كان رجلا عاقلا كبيرا حين اسلامه ما في ذلك ريب و لكنه لم يسلم الا بعد ان عبد الأصنام زمنا طويلا و لم يكن مع من تمردوا على عصرهم الجاهلي و عادات قومهم و معتقداتهم كورقة بن نوفل و زيد بن عمرو و أمية بن ابي الصلت و قس بن ساعدة و أمثالهم ممن سخروا بالأصنام و عبادتها و اعتبروا ذلك جهلا و ضلالا.
[١] انظر ص ١٤٠ من حياة محمد لهيكل الطبعة الخامسة.