سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٠٦ - الفصل السادس عشر غزوة بني قريظة
و كان سعد بن معاذ قد اصيب بسهم في أكحله قطع عرقا منه خلال حصار الأحزاب للمسلمين نزف منه اكثر دمه و اصبحت حياته مهددة بالخطر، و كان قد قال حين اصابه السهم: اللهم ان كنت ابقيت من حرب قريش شيئا فابقني لها فإنه لا قوم احب إلي من ان اجاهدهم من قوم آذوا رسولك و كذبوه و أخرجوه، اللهم ان كنت وضعت الحرب بيننا و بينهم فاجعلها لي شهادة و لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. و كان النبي بعد رجوعه من الخندق امرهم ان يضعوه في خيمة رفيدة في المسجد ليكون قريبا منه، لأنها كانت تعالج الجروح الصعبة و تداوي الجرحى، فلما اختارته قريظة ليكون حكما بينها و بين النبي (ص) اتاه قومه من الأوس و احتملوه و أقبلوا به الى رسول اللّه، و هم يقولون يا أبا عمرو احسن في مواليك، فإن رسول اللّه انما ولاك ذلك لتحسن فيهم، فلما اكثروا عليه قال: لقد آن لسعد ان لا تأخذه في اللّه لومة لائم.
فرجع عند ذلك بعض من كان معه من قومه الى دار بني عبد الأشهل و نعوا لهم رجال بني قريظة قبل ان يصل إليهم سعد بن معاذ، و أيقن بنو عبد الأشهل ان سعدا لا ينسى لهم غدرهم برسول اللّه و نقضهم العهود التي كانت بينهم و بينه، و انهم ان خرجوا من المدينة كما خرج بنو قينقاع و النضير سيحتلون الدور الذي مثلوه بالأمس، و ربما يشتد خطرهم و يستعصي على المسلمين بعد ذلك استئصالهم.
و لا شك ان النبي (ص) كان يرى فيهم هذا الرأي، و لو كان يحتمل فيهم ان يهادنوا المسلمين و لو احتمالا خفيفا لم يقدم على ما أقدم عليه، لأنه لم يكن يلجأ الى السيف الا لعلاج اخير لا يرى بديلا عنه و هو القائل لذة العفو خير من لذة الانتقام و اذا ظفرت في خصمك فليكن العفو احلى الظفرين، و لكنه كان يائسا من مهادنتهم للمسلمين مهما صنع معهم من الخير و الاحسان.