سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٢١ - سرية عبد اللّه بن جحش
يصبر و يتحين الظرف المناسب كما فعل المسلمون الأولون قبل هجرتهم الى المدينة، فقد احتملوا المساءة و الأذى و صبروا على الهوان و الضيم و لم يصدهم عن عقيدتهم جوع او حرمان، و لكن ذلك لم يكن إلا لمن حباهم اللّه من قوة الايمان ما يصغر معه كل اذى و كل ضيم.
و أضاف الى ذلك انك إذا استطعت ان تدفع الفتنة بسلاح من يحاول الفتنة و ان تقف في وجه من يصد عن سبيل اللّه بوسائله وجب ان تفعل، و الا كنت مزعزع العقيدة ضعيف الايمان، و هذا ما فعله محمد (ص) و اصحابه بعد ان استقر بهم الأمر بالمدينة، و هذا ما فعله المسيحيون بعد ان استقر لهم السلطان في رومة و في بيزنطة، و بعد ان لان قلب عواهل الروم لدين المسيح، و استطرد يقول ان المبشرين يقولون: ان روح المسيح تنكر القتال على اطلاقه اما الاسلام فانه يدعو الى القتال و اراقة الدماء.
و تاريخ الاسلام امامنا شاهد عدل، و تاريخ المسيحية امامنا شاهد عدل، فمنذ فجر المسيحية الى يومنا هذا خضبت اقطار الأرض جميعا بالدماء و باسم المسيح خضبها الروم و خضبتها امم أوروبا كلها و الحروب الصليبية انما اذكى لهيبها المسيحيون لا المسلمون، و ظلت الجيوش باسم الصليب تتحول من أوروبا خلال مئات السنين قاصدة اقطار الشرق الإسلامي تحارب و تريق الدماء، و في كل مرة كان البابوات خلفاء المسيح يباركون تلك الجيوش الزاحفة للاستيلاء على بيت المقدس و على الأماكن النصرانية المقدسة، أ فكان هؤلاء البابوات جميعا هراطقة، و كانت مسيحيتهم زائفة، أم كانوا ادعياء جهالا لا يعرفون ان المسيحية تنكر القتال على اطلاقه، أم يقولون ان تلك كانت العصور المسيحية المظلمة، ان يكن ذلك بعض ما يقولون، فإن هذا القرن المتمم للعشرين الذي يعيش فيه، و الذي يسمّونه عصر الحضارة الانسانية العليا قد رأى اقبح و أفظع مما رأته تلك العصور الوسطى المظلمة، فقد وقف اللورد اللنبي ممثل الحلفاء سنة ١٩١٨ يقول: في بيت المقدس حين استيلائه عليه في نهاية الحرب العالمية الأولى، اليوم انتهت الحروب