سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٦٩٨ - الفصل الخامس و العشرون جيش اسامة
فتقول فاطمة وا كربا لكربك يا ابتاه، فقال لا كرب على ابيك بعد اليوم.
و جاء في بعض المرويات انه قبيل وفاته وجد نفسه نشيطا و خفت عنه حرارة الحمى، فخرج معتمدا على علي (ع) و الفضل بن العباس حتى اتى المسجد، فأقبل على الناس رافعا صوته حتى سمعه من كان خارج المسجد، فقال أيها الناس: سعرت النار و اقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، و اني و اللّه ما تمسكون عليّ بشيء، اني لم احل إلا ما احل القرآن، و لم احرم إلا ما حرم القرآن، لعن اللّه قوما اتخذوا قبورهم مساجد [١].
و رأى المسلمون في مظهر النبي ما يدعو الى الارتياح و الاطمئنان فاستأذنه ابو بكر بالذهاب الى السنخ حيث تقيم زوجته بنت خارجة و انصرف عنه جماعة لشؤونهم و هم يظنون ان في هذا النشاط الذي ظهر عليه تماثلا للشفاء و تقدما نحو العافية، و لكن امر اللّه كان يجري الى غايته من وراء ما يرجو الاصحاب و المحبون و قد اختار له ربه الدار الآخرة بين اخوته النبيين و المرسلين.
فما رجع من المسجد حتى عاوده الضعف و اشتد عليه، فسمع يقول بل الرفيق الاعلى فعلموا انه اختار لقاء اللّه على الحياة في هذه الدنيا.
و كان علي قد احتضنه حينما رآه يصارع الموت ففاضت نفسه الشريفة
[١] بناء على صحة الرواية و ان الفقرة الأخيرة منها للنبي (ص) فلا بد و ان تكون ناظرة لمن يشيدون قبور موتاهم و يتخذونها مساجد بدافع العاطفة او العصبية و لو لم تكن لهم ميزة يستحقون من اجلها ذلك، اما الذين يجسدون تعاليم الاسلام و القرآن و الاديان الصحيحة بسلوكهم و اعمالهم كالانبياء و الائمة الهداة و الصلحاء الابرار فمن المستبعد جدا ان ينهي النبيّ عن تشييد قبورهم و الصلاة للّه فيها اذا كان تشييدها و تعظيمها يرمز الى النواحي الخيرة الكريمة التي تقترن بأسمائهم و تعبر عن الحق و الخير و الفضيلة و تكون مثلا كريما للأجيال في كل زمان و مكان.