سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٠٢ - الفصل الثالث في غار حراء
و لا بد مع ذلك بأن يأتي المتأخر بتشريعات و توصيات جديدة حسب مقتضيات الزمن و تطورات الحياة و المصالح التي لا يحيط بها في الغالب إلا اللّه.
و لقد بعث اللّه عيسى بن مريم الى جميع الناس و قبل ان يرفعه إليه غالى فيه اتباعه أسوأ أنواع المغالاة و عبدوه و أمه من دون اللّه. و قد حكى اللّه ذلك بقوله:
يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ (المائدة ١١٦) و كان الجواب من عيسى (ع):
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ.
و وقع منهم مع هذا الغلو الفاحش اختلاف شديد في طبيعته و طبيعة أمه و كيفية ولادته و تفرقوا من بعده شيعا و أحزابا يتلاعنون و يتراشقون بالسباب و التكفير و الحروب الدامية طيلة قرون من الزمن.
و أعلن اليعاقبة انشقاقهم عن الكنيسة في روما و ظل النساطرة على ولائهم لها، و سادت الحيرة على انسان تلك العصور و غطت بضبابها الكثيف على كل ما جاء به عيسى من مبادئ و تشريعات و حرفوا الانجيل حسب اهوائهم و مصالحهم حتى أصبحت المسيحية لا تعني الا مجموعة من المتناقضات التي لا تقبلها العقول و لا تحدها الأفهام كما كان الحال في اليهودية قبلها، في هذا الجو المضطرب وجد محمد بن عبد اللّه قبل نبوته و ليس للمسيحية معنى معقول و مقبول يمكن لانسان كمحمد بن عبد اللّه الذي أدرك بفطرته الصافية زيف الوثنية و تناقضات النصرانية و انحرافها عن مفاهيم الرسالات، و ضلال قومه ان يرجع إليه و يتخذه دينا من بين تلك الديانات المنتشرة هنا و هناك و لكل منها أنصار و أتباع يكفر بعضهم بعضا.
في هذا الجو وجد محمد بن عبد اللّه فكان ينظر الى المسيحية فلا يرى فيها الا ما يثير الدهشة و الاستغراب و يرى ضلال قومه في عبادتهم الأصنام و الأحجار فيعود الى تأملاته بعيدا عن انسان عصره يعبد إله الأرض و السماء