سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٠٣ - الفصل الثالث في غار حراء
و البحار و ما فيها من المخلوقات الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له شريك و نظير كما كان يعبد ابراهيم و اخوانه الأنبياء، و لا يمكن لنبي من الأنبياء ان يحيد عن ذلك و يدعو الناس الى غيره و ان ضل اتباعهم و تفرقوا في متاهات الهوى و الجهل و أصبح بعضهم يلعن بعضا و ستنهال اللعنات على كل من يعتنق المسيحية كما جاء على لسان عالم من النصارى عند ما سأله زيد بن عمرو بن نفيل عن المسيحية يوم ذاك ليتخذها دينا له كما تنص على ذلك المؤلفات في سيرة الرسول الكريم (ص).
و مهما كان الحال فلقد اعتاد محمد (ص) على التفكير و التأمل في خلق اللّه و أحوال هذا العالم و تقلباته منذ شبابه و لم يكن ليشغله شيء عن التفكير و التأمل بما تموج به الدنيا من فتن و عدوان و مظالم و كان يتلوى حسرة و ألما و حيرة لأنه لم يكن يملك العلاج لما تتخبط به البشرية من ضلال طمس على أعين الناس فأصبحوا لا يبصرون.
لقد أصبح الصمت و التفكر و كأنهما جزء من حياته يتلمس في صمته أسباب الهدى و في تأملاته في الحياة و مشاكلها أسباب السعادة لجميع الناس ليخرجهم من ظلمة الجهل الى نور الهداية و المعرفة و من التمادي في الباطل الى حظيرة الحق لا ليكون كاهنا او عرافا يخبر الناس عن ضمائرهم و ما يجري عليهم في غدهم القريب و البعيد، و لا ليكون حكيما كحكماء الاغريق و فيلسوفا كفلاسفة اليونان.
و التجأ قبيل مبعثه الى جبال مكة و شعابها ليكون بعيدا عن الناس و لغوهم و ضوضائهم، و وجد في غار حراء ما ينشده من الوحدة و الخلوة مع نفسه، فكان يذهب إليه في شهر رمضان من كل عام يقيم فيه الشهر بكامله مكتفيا بالقليل من العيش تحمله إليه زوجته خديجة الكبرى يطلب الحقيقة وحدها في خلواته مع نفسه و من تأملاته في السماء و نجومها و كواكبها و في الصحراء و لهيبها ساعة تكسوها الشمس بأشعتها المحرقة، و في البحار و أمواجها و الأرض و ما فيها من أشجار و نبات و أثمار و أزهار و فصول و تقلبات و عجائب المخلوقات.