سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٨٣ - الفصل العشرون فتح مكة
و طردوه و جمعوا له العرب حتى غزوه في دار هجرته و مثلوا بعمه اقبح تمثيل، و منعوه قبل عامين من دخول مكة لأداء مناسك الحج، و فعلوا معه ما لا تبيحه اعراف العرب و عاداتهم. و كان ابو سفيان و زوجته هند من اشد الناس عداوة للّه و رسوله، و مع ذلك حينما امكنه اللّه منهم منّ عليهم و امر من ينادي في الناس من دخل دار ابي سفيان فهو آمن و من القى سلاحه فهو آمن، و من دخل داره و اغلق عليه بابه فهو آمن. بعد ان اعطاه الرسول هذه الميزة ارضاء لعاطفة الفخر في نفسه، اخذه العباس الى المكان الذي عينه له الرسول حيث يمر ذلك الجيش العظيم الذي لم تعهد له مكة نظيرا من قبل.
و لكن ابا سفيان ظن ان النبي اراد به شرا في ذلك المكان لأنه هو مطبوع على الغدر و المكر، و الغادر لا يفكر الا بالغدر و الغادرين، فقال للعباس أ غدرا يا بني هاشم، فرد عليه العباس بقوله: ان اهل النبوة لا يغدرون يا ابا سفيان، و إنما حبستك لحاجة، فقال له: فهلا بدأت بها اولا فاعلمتنيها فذاك اقر لروعي و أهدأ لنفسي.
ثم مرت به القبائل و الكتائب و الرايات يتلو بعضها بعضا، فأول ما مر به خالد بن الوليد في بني سليم و لهم لواءان يحمل احدهما العباس بن مرداس و الآخر خفاف بن ندب، و راية يحملها المقداد بن الأسود، فقال ابو سفيان من هؤلاء يا ابا الفضل؟ فقال هؤلاء بنو سليم و عليهم خالد بن الوليد فلما حاذى خالد بن الوليد ابا سفيان و العباس كبر ثلاثا و كبروا معه و هكذا اخذت القبائل تمر به الواحدة تلو الأخرى، و كلما مرت قبيلة بحذائه كبرت ثلاثا و ابو سفيان يسأل عنها و العباس يجيبه، الى ان مرت جميع الكتائب و لم يبق الا الكتيبة التي فيها رسول اللّه (ص).
فلما اطلت كتيبة رسول اللّه اطلت وسط سواد شديد و غبرة من سنابك الخيل و جعل الناس يمرون و ابو سفيان يقول للعباس: اما مر محمد بعد، و العباس يقول له لا. و فيما هم كذلك و ابو سفيان يهزه الحقد و البغض و إذا