سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٥٥ - الفصل الثامن الهجرة الى المدينة
و ساقي القوم آخرهم شرابا.
ثم حلب في الاناء حتى امتلأ و تركه لها و ارتحل، و ما لبث ان جاء زوجها ابو معبد يسوق اعنزا حيلا عجافا هزلا، فلما رأى اللبن تعجب و قال من أين لكم هذا و الشاة عازبة و لا حلوبة في البيت، قالت لا و اللّه: إلا انه مر بنا رجل مبارك و قصت عليه قصته، فقال و اللّه اني لأظنه صاحب قريش الذي يطلب، صفيه لي، قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاء منبلج الوجه حسن الخلق، لم تعيه ثلجة، و لم تزر به صلعة، و سيم قسيم في عينيه دعج، و في اشفاره وطف، و في صوته صحل، احور اكحل، ازج أقرن شديد سواد الشعر، في لحيته كثافة، اذا صمت فعليه الوقار و اذا تكلم سما و علاه البهاء، حلو المنطق لا نزر و لا هذر، و مضت تعدد صفاته في حديث طويل لا يعنينا منه اكثر من ذلك، و لما انتهت من وصفه قال لها ابو معبد:
و اللّه هذا صاحب قريش، و لو وافقته يا أمّ معبد لالتمست ان اصحبه و لأفعلن اذا وجدت الى ذلك سبيلا، و أخيرا هاجرت أمّ معبد و زوجها الى يثرب و أسلمت.
و جاء في طبقات ابن سعد ان النبي (ص) بينما هو في طريقه الى يثرب عرض له سراقة بن مالك بن خثعم و هو على فرس له فدعا عليه رسول اللّه فرسخت قوائم فرسه في الأرض، فقال يا محمد ادع اللّه ان يطلق فرسي و ارجع عنك و أرد من ورائي فدعا له النبي فانطلق الفرس، فرجع و وجد الناس يلتمسون رسول اللّه فقال لهم ارجعوا فقد استبرأت لكم خبره فلم اجد له أثرا، فرجعوا و تابع ركب النبي (ص) طريقهم يقطعون السهول و الجبال و الأودية، و يتحملون من حر الهاجرة و رمال الصحراء و جهد السير خلال سبعة ايام من رحلتهم قطعوا بها القسم الأكبر من المسافة بين مكة و المدينة و اصبحوا في امان من خطر قريش، فلما انتهوا الى قبيلة بني سهم جاء شيخها بريدة لكي يحيي النبي (ص) و كان الخبر قد سبقه الى المدينة.