سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٦٣٤ - الفصل الثاني و العشرون غزوة تبوك
بلغتها من قبل اخبار انتصاراته المتتالية في جميع المعارك التي دارت بينه و بين قريش و غيرها من القبائل العربية، فتجسدت لديهم المخاطر و قدروا ان محمدا لو انتصر في هذه المعركة سوف لا يقف عند حد، و ستتبعها انتصارات اخرى، و بالتالي قد تتعرض الامبراطورية الرومانية بكاملها لغزو هذا الجيش الذي زودته الانتصارات بكل اسباب القوة و ذاق حلاوة النصر و اصبح يفكر فيه و حينما يدخل المعركة لا يتصور غيره، و في الوقت ذاته كان الجندي المسلم لا يرى للحياة وزنا ما دام سينتقل منها الى حياة دائمة و نعيم دائم.
لقد عرف الرومان كل ذلك و تصوروا المخاطر التي يجرها الصدام مع هذا الجيش الذي يرى ان الجنة تحت ظلال الأسنة فهو ان حارب و قتل فله الجنة و ان قتل فله الجنة فآثروا الانسحاب من مواقعهم التي كانوا عليها الى داخل بلادهم ليلتزموا حصونهم و يدافعوا عنها فيما لو تعرضت لغزو المسلمين.
و لما انتهى المسلمون الى تبوك و علموا ان القوم قد انسحبوا منها الى داخل بلادهم نزلوا بها ينازلون من يحاول ان يقف في طريقهم.
و كان يوحنا بن رؤبة صاحب ابلة من الأمراء المقيمين في تلك المنطقة فوجه إليه النبي رسالة يدعوه فيها الى الإسلام او إلى الجزية، فجاءه يوحنا و على صدره صليب من ذهب فقدم للنبي الطاعة و الهدايا و صالحه على الجزية في كل سنة ثلاثمائة دينار كما صالحه اهل الجرباء و اذرح [١] على الجزية و كتب بينه و بينهم كتبا تتضمن شروط الصلح بما يحفظ للمسلمين حقهم في الجزية و التجول في تلك المناطق آمنين على انفسهم و اموالهم و يضمن لأصحاب تلك المناطق حرية العقيدة و العيش مع جيرانهم المسلمين بسلام و اطمئنان.
و اطمأن النبي بعد معاهدة تلك القبائل المتاخمة لحدود الحجاز، و لم يبق
[١] الجرباء قرية تابعة لعمان و اذرح بلد في اطراف بلاد الشام من نواحي البلقاء و عمان متاخمة لحدود الحجاز.