سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٣٦ - الاسراء و المعراج
فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي.
و أضاف الى ذلك الرازي في تفسيره انه كما يستبعد العقل صعود الجسم الكثيف من مركزه الى ما فوق العرش، فكذلك يستبعد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش الى مركز العالم، فإن كان القول بمعراج محمد (ص) في الليلة الواحدة ممتنعا في العقول، كان القول بنزول جبريل (ع) من العرش الى مكة في اللحظة الواحدة ممتنعا، و لو حكمنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنا في نبوة محمد و جميع النبوات، و المعراج متفرع على نبوته.
فإذا كان الاسراء و المعراج ممكنين و لا يحيلهما العقل، كما لا يحيل ان تكون سرعة البراق الذي امتطاه النبي (ص) بالغة حدود سرعة الضوء التي يقدرها العلماء بثلاثمائة الف كيلومتر في الثانية.
فإذا ثبت الامكان فمرحلة الوقوع لا تثبت بمجرد ذلك، بل لا بد لها من دليل آخر، و قد دل القرآن الكريم على وقوع ذلك في الآية السابقة و أكدته النصوص المتواترة عن النبي و الأئمة (ع) و ظاهر الآية و النصوص التي تعرضت لذلك انهما كانا بالجسد لا بالروح وحدها، و لا بنحو الرؤيا، كما يبدو من الذين اعتمدوا على رواية السيدة عائشة و معاوية بن أبي سفيان، ذلك لأن كلمة عبده التي وردت في آية الاسراء، تعني بظاهرها الانسان بروحه و جسده.
و جميع الآيات التي وردت فيها هذه الكلمة اريد منها الانسان بمادته و صورته، قال سبحانه في سورة العلق:
أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى، و في الآية من سورة الجن:
وَ أَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً الى غير ذلك مما ورد فيه هذا اللفظ. و من القواعد المقررة ان كل ما دل عليه ظاهر اللفظ قرآنا كان أم حديثا أم غيرهما و لم يتعارض مع دليل آخر اقوى منه ظهورا، او مع حكم العقل وجب الأخذ به و لا يجوز التصرف فيه لمجرد كونه غير