سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٤٥٨ - الفصل الثالث عشر زوجات النبي
و كان زيد بن حارثة مملوكا لخديجة فوهبته للنبي، فأعتقه و بقي عنده مسلما مؤمنا مخلصا في اسلامه فتبناه رسول اللّه، و أرادها النبي (ص) ان تكون زوجة لزيد مولاه حتى لا يستنكف احد بعد ذلك ان يزوج من هو دونه في الجاه و النسب لأن الاسلام لا يعتد إلا بالتقوى و الأعمال الصالحات، و زيد كان من افضل المسلمين في دينه و إخلاصه.
و لما عرض عليها الأمر انفت نفسها من ذلك و رأت هي و أخوها عبد اللّه ان ذلك عار لم يقدم على مثله احد من العرب، و لكن النبي اصر على ذلك ليكون هو اول من يخرج على تلك التقاليد و يباشر بهدمها، و ظلت هي و اخوها على موقفهما المتصلب، و لما نزلت الآية الكريمة بهذا الخصوص:
وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً.
بعد هذه الآية لم يبق لعبد اللّه و اخته إلا الاذعان و التسليم لأمر اللّه و رسوله، و اتم النبي الزواج و بذل لها المهر و هاجرت معه حين هاجر، و لكنها لم تلن له، و لم تستطع ان تتخلص من تلك الرواسب التي كان العرب يغالون في التمسك بها، و كانت تؤذيه احيانا و تفتخر عليه بأصلها و نسبها حينا آخر و هو يتحمل منها بمرارة و احيانا يشكوها للنبي و يبدي له رغبته في التخلص منها، و النبي ينهاه عن ذلك و يتمنى عليها ان تكف عن ايذائه و تتناسى اخلاق الجاهلية و عاداتها التي لم يقرها الاسلام. و لكن النفوس مهما سمت و طابت فمن الصعب ان تتخلص مما ترثه عن الآباء و الاجداد بتلك السرعة، لا سيما و انها قد تجد من مثيلاتها من يثرن في نفسها الاعجاب بأصلها و نسبها و الترفع عن مثل هذا النوع من الزواج، و ظلت بين الحين و الآخر و تعترض حياتهما بعض المشاكل فيعود الى النبي و يشكوها و يبدي رغبته في التخلص منها و النبي يأبى عليه ذلك، و اخيرا تأزمت حياتهما و اصبحت أشبه بالجحيم، و كان الطلاق هو الحل الأخير، و تم الطلاق بينهما.