سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٤٨ - رجوع قريش الى ابي طالب
يوم، فعظم ذلك عليهم و خرجوا عن حدود الأناة و الصبر، لقد كانوا و هم سادة العرب و سدنة البيت يرون قوام مجدهم و مصدر عزهم هذا الرباط الذي يشدهم الى عقيدتهم التي ورثوها عن الآباء و الأجداد، و ها هو محمد قد شرع في تحطيم تلك العقيدة و اظهار مساوئها، و استطاع ان يستجلب إليه جماعة من الأحرار و العبيد و فقراء الناس، و اخذ صيته يتسع يوما بعد يوم، و أنصاره لا يتنازلون عنه و عن دعوته بكل ثمن، فاذا ترك و شأنه و التف حوله الناس فما عسى ان يكون مصيرهم، و قد أدار رءوس الفقراء و الأجراء و العبيد و النساء عنهم و فرض لهم حقوقا على أسيادهم ما كانوا ليحلموا بها قبل اليوم، و لم يجعل لأحد فضلا على الآخر، لا كبير عنده الا بتقوى اللّه و لا صغير الا بمعصيته، الناس لآدم و آدم من تراب فما عساهم ان يفعلوا و محمد في منعة من حماية عمه أبي طالب، و قد استأثر بقلبه و أصبح احب إليه من نفسه و أعز عليه من جميع أهله و ولده، و من وراء أبي طالب من يأتمر بأمره من بني هاشم و هم أطوع له من بنانه يدافعون عنه بالمهج و الأرواح، فاذا أصابوا محمدا بسوء فسيقف لهم ابو طالب و من ورائه جميع بني هاشم و ستصبح مكة مسرحا لحرب أهلية لا تبقي و لا تذر.
لقد وضعت قريش كل ذلك في حسابها، و ما عليهم الا ان يدخلوا من باب آخر لا يتسم بطابع العنف و القوة فاجتمعوا وقر الرأي بينهم ان يراجعوا ابا طالب ليكون سفيرا بينهم و بين ابن أخيه، فاجتمعوا الى أبي طالب و قالوا له: ان ابن أخيك قد سب آلهتنا و عاب ديننا و سفه أحلامنا و ضلل أبناءنا فإما ان تكفه عنا و اما ان تخلي بيننا و بينه، فانك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فردهم ابو طالب ردا رفيقا على حد تعبير ابن جرير في تاريخه.
و أضاف الى ذلك ان رسول اللّه مضى في طريقه يظهر دين اللّه و يدعو إليه و توترت اجواء مكة و أصبح محمد حديث القريب و البعيد و تواصت قريش فيما بينها بالشدة و عدم المهادنة، ثم مشوا الى أبي طالب مرة اخرى و قالوا يا أبا طالب! ان لك سنا و شرفا و منزلة فينا، و انا كنا قد استنهيناك من ابن