سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٦٣٠ - الفصل الثاني و العشرون غزوة تبوك
و لما بلغ الحجر و بها اطلال لمنازل ثمود منقورة في الصخر، هنالك امر رسول اللّه بالنزول و استقى الماء من بئر في ذلك المكان فلما خرج منها قال لهم: لا تشربوا من مائها شيئا و لا تتوضئوا منه للصلاة، و ما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل و لا تأكلوا منه شيئا و لا يخرجن احد منكم الليلة الا و معه صاحب له و من كان له بعير فليوثقه بعقاله، ذلك ان المكان لم يكن احد يمر به و كانت تعصف فيه احيانا عواصف من الرمال فتطمر الناس و الابل فخرج منهم رجلان من بني ساعدة خرج احدهما لحاجته و خرج الآخر في طلب بعير له فاحتملت الريح احدهما و طمرت الآخر الرمال و وجدوا الرمال قد طمرت البئر و لم يبق فيها ماء ففزعوا من الظمأ في طريقهم الطويل.
و في رواية ثانية انه لما مر بالحجر اسرع السير حتى جاوز الوادي و الحجر، و هو وادي قوم صالح و ديارهم و هم ثمود الذين سكنوا ذلك الوادي و قال لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا الا و انتم باكون حتى لا يصيبكم ما اصابهم.
و اضاف الى ذلك الراوي انه لما تجاوز الحجر اصبح و لا ماء معه و لا مع اصحابه و قد نزلوا على غير ماء فشكوا إليه العطش فاستقبل القبلة و دعا و لم يكن في السماء سحابة فما زال يدعو حتى اجتمعت السحب من كل ناحية فما برح من مكانه حتى نزل المطر و انكشفت السحب فسقى الناس و ارتووا عن آخرهم و ملأوا اسقيتهم، فقال احد المسلمين لبعض المنافقين: ويحك ابعد هذا شيء، و هل بقي عندك شيء من الريب، فقال انما هي سحابة مارة، و انطلق الجيش في طريقه الى تبوك، و قبل وصولهم إليها نزلوا في مكان فضلت ناقة الرسول (ص) فخرج اصحابه في طلبها، فقال زيد بن الصلت القينقاعي و كان من المنافقين:
أ ليس محمد يزعم انه نبي يخبركم عن السماء و هو لا يدري الآن اين ناقته، و علم رسول اللّه بهذه المقالة عن طريق الوحي فقال و عنده عمارة بن حزم، ان رجلا قال: ان محمدا يخبركم عن السماء و هو لا يدري اين ناقته، و اني و اللّه لا اعلم الا ما علمني ربي، و قد دلني الآن عليها و هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها فانطلقوا حتى تأتوا بها فذهبوا فوجدوها كما اخبر رسول اللّه.